: آخر تحديث

عندما يصير الضغط السياسي قانونًا

2
2
2

يمثّل الحكم الأول الصادر عن محكمة المنازعات الخاصة بالأونروا، في قضية أحد موظفيها الذين اتهمتهم إسرائيل بالضلوع في هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، واحدًا من أخطر القرارات في تاريخ القانون الإداري الدولي، لا لأنه أثبت إدانة، فهو لم يفعل، ولا لأنه خلص إلى أن الاتهامات استوفت معيار الإثبات المطلوب عادةً لفصل موظف دولي بتهمة سوء السلوك، فهو لم يبلغ ذلك أيضًا. تكمن أهميته في مكان آخر. فقد أقرّت المحكمة مبدأً تتجاوز آثاره البنيوية الأونروا نفسها، إذ قبلت أن الضغط السياسي والمالي الخارجي، متى بلغ حدًا يهدد بقاء منظمة دولية، جاز أن يشكّل مبررًا ذا صلة قانونية لإجراء تنفيذي استثنائي تتخذه المنظمة بحق موظفيها. وليست هذه مجرد منازعة وظيفية، بل هي حكم يمسّ العلاقة البنيوية بين القانون والسلطة داخل المنظومة الدولية.

يروي الحكم سلسلة من الوقائع تستحق التأمل. اتهمت إسرائيل عددًا من موظفي الأونروا بالمشاركة في هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، وقبل أن تثبت تلك الاتهامات قضائيًا، علّقت حكومات مانحة كبرى نحو 450 مليون دولار من التمويل، وطُعن علنًا في حياد الوكالة، وشُكّك في شرعيتها، وتعرّضت عملياتها الإنسانية للخطر، فوجدت نفسها أمام أزمة مؤسسية وجودية. وفي مواجهة تلك الأزمة، أقدم المفوّض العام على فصل عدد من الموظفين، لا لأن مسؤوليتهم ثبتت عبر إجراءات تأديبية، بل لأنه خلص إلى أن الفصل بات ضروريًا للحفاظ على الوكالة ذاتها. وأيّدت المحكمة قراره.

هنا تحديدًا يكتسب الحكم دلالته البنيوية. فقد ظلّ القانون الإداري الدولي، عقودًا طويلة، يسعى إلى غاية واضحة، هي حماية الموظفين الدوليين من التدخل السياسي، لأنهم يخدمون مؤسسات تعمل في بيئات متنازع عليها سياسيًا، فوُجدت العدالة الإدارية لتضمن أن تستند قرارات التوظيف إلى الأدلة والأصول القانونية ومعايير المحاكمة العادلة، لا إلى الضغط الدبلوماسي أو اعتبارات الملاءمة الجيوسياسية. غير أن المحكمة سلكت مسلكًا مغايرًا. فبدلاً من أن تسأل هل ثبت سوء السلوك وفق معيار الإثبات المطلوب عادةً للفصل التأديبي، قبلت أن الفصل "لمصلحة الوكالة" يخضع لاختبار قانوني مختلف، لم يعد السؤال الحاسم فيه هل ثبت سوء السلوك، بل هل كان قرار المفوّض استجابةً عقلانية ومتناسبة لأزمة مؤسسية تهدد استمرار الوكالة. وهكذا انزاح السؤال القانوني انزياحًا يكاد لا يُلحظ، فلم يعد: هل ارتكب الموظف الأفعال المنسوبة إليه، بل صار: هل تستطيع الوكالة أن تواصل عملها إن بقي الموظف فيها؟ وليس هذا الانزياح إجرائيًا فحسب، بل يبدّل الوظيفة البنيوية للقانون الإداري الدولي ذاته.

تقدّم المحكمة تعليلها بوصفه ضرورةً لحماية الأونروا، لكنها في الآن ذاته تعترف بأن الخطر المحدق بالوكالة إنما نشأ لأن اتهامات وُجّهت إلى عدد قليل من الموظفين ولّدت سلسلة متعاقبة من التبعات السياسية والمالية، فعلّقت الحكومات التمويل، وتآكلت الثقة العامة، واشتدّ الضغط الدبلوماسي، وبات بقاء الوكالة موضع شك. وبدلاً من أن تعامل تلك الضغوط بوصفها قوى خارجية ينبغي للعملية القانونية أن تقي المنظمة الدولية منها، عاملتها المحكمة بوصفها ظروفًا ذات صلة قانونية تبرّر إجراءً إداريًا استثنائيًا. وهنا يكمن الابتكار البنيوي في صميم الحكم، إذ يكفّ الضعف السياسي عن أن يكون أمرًا يحمي القانون منه المؤسسات الدولية، ليغدو بذاته جزءًا من الأساس القانوني الذي يبرر تقييد الضمانات الإجرائية التي يكفلها القانون عادةً للموظفين الدوليين.

لا تقضي المحكمة بأن الموظف مذنب، ولا تحوّل المواد الاستخباراتية إلى دليل جنائي، بل إن تعليلها أدقّ من ذلك، ولهذا فهو أشد خطرًا، إذ يقبل أن الاتهامات متى ولّدت تبعات من الشدة بحيث تهدد بقاء المنظمة، جاز أن تبرّر تلك التبعات ذاتها قرارات كانت تستلزم لولاها عتبة إثبات أعلى بكثير. وتتجاوز هذه التبعات الأونروا وحدها. فكل منظمة دولية تعتمد على مساهمات طوعية من الدول باتت تواجه المعضلة البنيوية نفسها. فإذا كان الضغط السياسي المنسّق قادرًا على إحداث أزمة مالية، وإذا صارت الأزمة المالية سببًا كافيًا قانونًا للخروج على الضمانات الإجرائية المعتادة، فإن استقلال المؤسسات الدولية يغدو رهينًا بالخيارات السياسية للحكومات المانحة.

ولا يكمن الخطر في فصل موظفين بعينهم، بل في الحوافز المؤسسية التي تخلقها هذه السابقة القضائية. فتبدأ فاعلية الاتهامات تزن ما يوازي وزن إثباتها النهائي أو يفوقه، وكلما اشتدّت التبعات السياسية التي تولّدها الاتهامات، اتسعت السلطة التقديرية المتاحة لقادة المؤسسات في مواجهتها، فيكتسب الضغط السياسي الخارجي بذلك دلالة بنيوية داخل الإدارة الدولية.

لا شك أن المحكمة ظنّت أنها تصون الأونروا، لكن الحكم يطرح سؤالًا أعمق. فقد دأب القانون الإداري الدولي على أداء وظيفة الحاجز بين المؤسسات الدولية والسلطة السياسية، غايته أن تظل القرارات التنفيذية محكومة بالقانون حتى في أوقات الجدل السياسي الحاد. غير أن هذا الحكم يشير إلى الاتجاه المعاكس، إذ يوشك أن يحوّل الضعف السياسي إلى مصدر للسلطة القانونية. وهذا لا يمسّ موظفًا واحدًا أو وكالة إنسانية واحدة، بل يطال البنية التأسيسية للإدارة الدولية برمّتها. فإن ترسخت هذه السابقة القضائية، غدا استقلال المنظمات الدولية معتمدًا على إحجام الدول القوية عن ممارسة الضغط السياسي والمالي أكثر مما يعتمد على الحماية التي يوفّرها القانون الإداري، وذلك تحوّل بنيوي عميق. ومن ثمّ، فإن أعظم دلالات هذا الحكم لا تكمن في ما يقوله عن موظف واحد في الأونروا، بل في ما قد يعنيه لكل مؤسسة دولية يتوقف بقاؤها على ثقة الدول السياسية. فالمحكمة، وهي تسعى إلى صون منظمة واحدة، ربما أرست سابقةً قضائية تهدد الاستقلال القانوني لجميع المنظمات الدولية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.