: آخر تحديث

كيف اختلف صوت الفقر بين الماضي والحاضر

1
2
2

يُشير الإطار العام لمصطلح الفقر إلى حالة من الحرمان المتعدد الأبعاد التي تتجاوز مجرد نقص الدخل، لتشمل العجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية والتمتع بحقوق الإنسان الجوهرية، وتختلف شدة الفقر من دولة إلى أخرى، فبعضها يصل بها الحال إلى الفقر المدقع، بحيث يُصبح الإنسان عاجزًا تمامًا عن توفير الحد الأدنى من الاحتياجات البيولوجية للبقاء، كالمسكن والمأكل والمشرب والملبس.

وفي وقتنا الراهن ارتفع مؤشر الفقر ليشمل العجز عن توفير أمور كثيرة، ربما في جوهرها ليست أساسية، ولكن عدم امتلاكها يُعد فقرًا، ومنها؛ الهاتف، الإنترنت، السيارة، وغيرها من الكماليات التي تنعكس على شخصية الأفراد، فتُظهر مُعسريهم من ميسريهم.

لذلك فإن ظاهرة الفقر تمثل خطرًا مباشرًا على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وحتى الأمني، والمجتمعات التي يتفشى فيها الفقر تُصبح بيئة خصبة تنشأ فيها أشكال الجهل والتخلف الذي يقود إلى التطرف والانحراف والعدوانية، والفقر يولد الضغائن والأحقاد والكراهية بين أفراد المجتمع الواحد، فيظهر التفاوت بين طبقات المجتمع، وتتسع الفجوة بين الطبقات المخملية المترفة والميسورة الحال والطبقة الفقيرة الكادحة، كما أن الفقر أحد أسباب التنافس غير المشروع، فمن أجل تحسين مستوى العيش يسلك الفرد جميع السبل المشروعة وغير المشروعة بغية الحصول على مخرج يأخذه بعيدًا عن دائرة الفقر والحاجة، كما أن الفقر أحد الأسباب لتخلي الفرد عن كثير من عاداته وتقاليده ومبادئه، خاصة إذا كانت مرتبطة بالإنفاق والصرف بسبب مادية الحياة وتنامي متطلباتها بشكل كبير.

الفقر يخلق ثقافات دخيلة على المجتمعات ومنها الفساد والرشوة والسرقة والغش والنصب والغدر والكذب والتحايل على القوانين والأنظمة، كما إنه أحد أهم الأسباب التي تدفع الفرد لتعاطي المخدرات والمسكرات، والتي بدورها تؤدي إلى كثير من جرائم القتل والسرقة والرذيلة، وهو كذلك أحد المسببات للأمراض النفسية التي تُصيب الفرد أو تخلق شخصيات منطوية ومكتئبة، وخاصة لدى جيل الشباب والفتيات تحديدًا، أو تولد سلوكيات سيئة لديهم فتنعكس على أسلوب حياتهم المستقبلي، وهو سبب لعزوف الشباب عن الزواج وأحد أسباب التفكك الأسري ويُضعف حب الإنسان لوطنه والولاء له.

لهذا قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته"، وقال الإمام الشافعي رحمه الله: "لا تستشر من ليس في بيته دقيق، لأنه مدلّه العقل"، والفقير في مجتمعنا وفي وقتنا الحالي ليس كالفقير في السنوات السابقة، حيث كانت البيوت مستورة وأحوال الناس مستورة، أما اليوم فانعدمت الخصوصية الشخصية وأصبحت أحوال الناس مكشوفة، ويعلم الجميع أبسط تفاصيلها، وهذا بات يُشكل ضغطًا ماديًا ونفسيًا كبيرًا على رب الأسرة الذي يسعى جاهدًا لتوفير الستر والحياة الكريمة لأفراد أسرته، وإن كان على حساب نفسه وصحته وحتى على حساب سمعته.

في الواقع الفقر لا يمكن القضاء عليه حتى في أكثر المجتمعات رفاهية، حتى لو ارتفع دخل الجميع ستظل هناك دائمًا فئة في ذيل القائمة اقتصاديًا مقارنة بالآخرين، ففي الدول المتقدمة لا يُقاس الفقر بالجوع فقط، بل بعدم القدرة على مواكبة الحد الأدنى من مستوى المعيشة الذي يتمتع به بقية المجتمع، ككلفة السكن، الإنترنت، أو التأمين الصحي، وهذا في الغالب ليس خطأ أو تقصيرًا متعمدًا من قبل الدولة أو نظام الحكم تجاه شعوبهم، وهذا ينقلنا من لوم السياسات إلى فهم ديناميكية الاقتصاد وطبيعة الحياة البشرية، ففي كثير من الأحيان يكون الفقر ناتجًا عن عوامل هيكلية أو عالمية لا تملك الدول حيالها عصًا سحرية، لذا فالإنصاف يقتضي القول بأن دور الدولة ليس صناعة الثراء لكل فرد، بل تأمين الأرضية الصلبة التي تحمي الإنسان من السقوط في العوز وتوفر له فرصة عادلة للصعود مرة أخرى، هذا الفهم الواقعي يجعلنا نركز على الاستثمار في الإنسان كحل مستدام بدلاً من مجرد تقديم المعونات العينية.

ولكن من منطلق الحماية الاجتماعية للأسرة لا بد من التخفيف من ضرر هذه الظاهرة والحد من تناميها، كما إن القضاء على الفقر بجميع أشكاله هو من أولويات الأهداف السبعة عشر لخطة التنمية المستدامة لعام 2030 للأمم المتحدة المُلزمة لكل الدول الموقعة على هذه الاتفاقية، ولتحقيق ذلك لا بد من الدفع بعدة مبادرات رسمية ومجتمعية تُسهم في تحسين التمكين الاقتصادي كبديل للرعاية المباشرة من خلال مشاريع الأسرة المنتجة الرقمية، ويأتي ذلك بتدريب أفراد الأسر الفقيرة على مهارات العمل الحر عبر الإنترنت كالتصميم البسيط والتسويق لكسر حاجز الموقع الجغرافي، كذلك منح تمويلات مصغرة بفائدة صفرية لتمويل مشاريع منزلية صغيرة تضمن دخلاً يوميًا مستدامًا، كذلك الاستثمار في الأراضي البيضاء من خلال منح الأسر الفقيرة أراضي بيضاء لاستخدامها في الزراعة أو تربية الماشية أو تسهيل إجراءات منح تصاريح لعربات الطعام المتنقلة في الأماكن المتاحة لذلك، والعديد من المشاريع والمبادرات المختلفة التي تُسهم في توفير دخل للأسر المتعففة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.