ثمة جزئية غائبة عن النقاش في الحديث أو «الترند» المتداول بشأن أوضاع المسرح الكويتي، وهي مدى وجود سقف حرية يسمح بتقديم أعمال إبداعية وجريئة في معالجة قضايا المجتمع، كتلك التي عرفناها منذ عقود وتحديداً في الفترة بين ستينيات وثمانينيات القرن الماضي.
لست من القابعين في «نوستالجيا» الحنين إلى الماضي أو المتحيزين ضد كل ما هو جديد، لكن لنكن أكثر إنصافاً فلا نناقش مسألة المسرح من زاوية الأشخاص بل البيئة العامة المقيدة للتفكير والإبداع وحتى النقد والإشارة إلى مواطن الخلل، والتي باتت يوماً بعد يوم تتقلص أكثر من السابق.
بالمباشر، هل يستطيع كاتب مسرحي مغامر أن يقدم لنا عملاً عن استغلال النفوذ وتجاوزات المسؤولين على مستوى مسرحية «حرم سعادة الوزير»؟ أو يجرؤ آخر على مناقشة الطبقية في المجتمع الكويتي وفساد المناقصات، كما طرحت مسرحية «ضحية بيت العز»؟ أو يغامر غيرهم بمحاولة تفكيك قضايا الاقتصاد والسياسة والمجتمع والصحافة، كما تطرقت مسرحيتا «دقت الساعة» و«حامي الديار»؟
هل سيسلم نص مماثل لنص مسرحية «مضارب بني نفط»، وهي آخر مسرحية عرضت قبل الغزو العراقي، وتناولت في عدد من لوحاتها أوضاع المواطنين المعيشية والقيود على الصحافة والكتابة، فضلاً عن المعايير غير المهنية لتولي الوظائف القيادية، من «تقصقص» الرقيب، حتى تعرض المسرحية بشكل مشوه ومبتور... هذا إن عرضت أصلاً؟
فقبل أن نطالب اليوم بنصوص مسرحية جادة ومفيدة علينا أن نفهم أن ثمة مقصاً للرقيب الحكومي بات في أضخم أحجامه بالتوازي مع ترحيب حكومي بتضييق دائرة حرية التعبير بما يتيح له أن يعدم أي فكرة جادة يمكن أن تتطرق إلى أي قضايا حالية، كالمواطنة أو البدون أو الوظائف القيادية أو الاقتصاد والمجتمع وصولاً إلى مخاطر السياسة أو تحديات الإقليم، حتى ولو تحايل كاتبو النصوص بالاستعانة بـ«الفانتازيا» أو الإسقاط أو غيرها من الحيل، فالرقابة المتنامية عبر عقود هي صاحبة السلطة المطلقة على النصوص، وهي مَن لها الحق في التقليص أو الرفض.
وللأمانة فالرقابة السيئة على المسرح ليست وليدة اليوم، حتى وإن تعاظمت في السنوات الأخيرة، فمن المفارقات المضحكة أن المسرح الكويتي أنتج في بداية الثمانينيات مسرحية «حرم سعادة الوزير»، لكن الرقيب الحكومي في نهاية التسعينيات اعتبر أن اسم مسرحية «بشت الوزير» إساءة للمنصب الوزاري... فتحول إلى «بشت المدير»!
ففي ظل هذه العقلية الرقابية البائسة لا يمكن أن يستغرب من تدني واقع مسرحنا أو انحطاط أعماله.
إن انتقاد «اللفح» والرقص و«القطات» السخيفة وربما البذيئة والنصوص الضعيفة وتركيز منتجي المسرحيات على «الترندات» والجدل والإثارة التي تحفل بها الشريحة الأكبر من مسرحياتنا المحلية الحالية لتحقيق دعاية مجانية وجذب الجمهور، هي نتيجة وليست سبب الأزمة... فالسبب الحقيقي لتدهور المسرح الكويتي هو السقف المنخفض من الحريات، الذي يجعل مجرد التفكير في مناقشة القضايا الجادة مضيعة للوقت وتشويهاً للنص وخسارة مالية وجماهيرية لا يريد أن يغامر بها لا منتجون ولا كتاب ولا ممثلون.

