: آخر تحديث

ما فَرّقته السياسة تَجمَعه الرياضة

16
16
10

وأنت ترى حشود الجماهير العراقية الزاحفة إلى ملعب جِذع النخلة في البصرة لِمُشاهدة أداء مُنتخبات أشقائهم (الخلايجة) بِكُرة القدم، ينتابك شعور مؤكّد أن العرب بِخير، ومهما حصل بينهم من خِلاف سياسي أو إختلاف في وجهات النظر سيجلس الجميع بالنهاية إلى مائدة واحدة كالعائلة التي يختلف أبنائها ويتخالفون ثم يجلسون على مائدة الطعام مُجتمعين وكأن شيئاً لم يحدث.

في خليجي البصرة أثبت العراقيون لأشقائهم أن قلوبهم الناصعة البياض تتّسع مساحاتها لإيواء ضيوف العراق قبل أن تستقبلهم الفنادق.

وهُناك ما لايعرفه الأشقاء عن شخصية العراقي هو كما أنه سريع الإنفعال والغضب، ترى روحه تمتلئ بالتسامح والمحبة والنسيان، وكثيراً ما مرّت ظروف وأحداث قاسية على الشعب إعتقد الكثير أنها النهاية، لكن وهذا من غرائبه أنه كان ينفض غُبار الإنكسار وينهض من جديد.

يتذكّر الأشقاء بل لاتغيب عن ذاكرتهم أحداث عاصفة الصحراء التي تَمر ذِكراها هذه الأيام وكيف إجتاحت الجيوش المنطقة ودمّرت البشر والشجر وأسقطت البلد حجراً على حجر بِفعل القرار الذي إتّخذه المُجتمع الدولي رداً على غزو صدام حسين لدولة الكويت 1991، لكن العراقيين أزاحوا عنهم غُبار الدمار وآثار الحرب لِيبدأوا الحياة من جديد.

خليجي البصرة من المؤكّد أنها دعوة عراقية لأشقائهم الخليجيين لطَيّ صفحة الماضي والبدأ بِصفحات جديدة عنوانها السلام والتسامُح وأن يُدرِك الجميع أنهم في مركب واحد والمصير واحد حين يكون الدم والهدف واحد، كما قال الرسول (ص) في الحديث الشريف (مَثَلُ المُؤمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ وتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إذا إشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى له سَائِرُ الجَسَد بالسَّهَرِ والحُمَّى).

لا بُدَ أن يُدرِك الأشقاء من ضرورة طَيّ صفحة الماضي المليئة بالأحزان والكوارث على الجميع، وأن تتوحّد الجهود وتتّجه الأنظار للعدو المُشترك الذي يتربّص بِهِم وببلادهم.

ربما أيقن الضيوف الذين وَفدوا إلى بصرتهم حجم الكرم والترحاب الذي قابلهم به إخوانهم العراقيين، مُتناسين تلك الحقبة المُظلمة على أمل أن يطال النسيان عقول الأشقاء المليئة بتلك الذكريات الموجعة بسبب ما أصابهم من آثار حماقة النظام السابق حين أخلّت بِموازين العروبة وأحدثت شرخاً في الإخوّة العربية.

أُسدِل السِتار عن خليجي البصرة الذي نتمنّى أن يكون فاتحة خير للرياضة والسياسة في تقارب عراقي خليجي تجمعهم الأواصر المُشتركة والمصير الواحد، وأن تتكرر تلك المُناسبات الرياضية في دول مجلس التعاون الخليجي لِتتفاعل معها الجماهير التي فَرّقتها السياسة لِتجمعها الرياضة، وأن ينسى الأشقاء ذلك الماضي المُؤلم كما نساها أو يُحاول أن يتجاوزها الشعب العراقي حين كان ذلك الماضي بِعنوان سنوات الحِصار الإقتصادي المفروض عليه درساً بليغاً دفع فاتورته العراقيين من حياتهم وأرزاقهم وطُرق معيشتهم نتيجة حماقات النظام السابق.

أحلى صورة تتجلّى أمامك أن ترى الكرم العراقي في مائدة طعام تضُم أنواع وأسماء الأكلات العراقية يتجمع حولها الأشقاء الخلايجة لِتُدرِك أن إختلاف الرأي لايُفسد في الإخوّة قضيّة، وتلك هي مِيزة العرب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي