: آخر تحديث

في زمن الكورونا وغيره البؤساء لا ريش لهم

15
19
12

تعلمنا جائحة الكورونا العودة إلى ذواتنا وكأننا نكتشفها من جديد، نرى خصالها ونطلع على مساوئها. فكرة العزلة والانزواء والخلوة فكرة ليست جديدة على الإنسانية رغم انه كائن مبني أساسا على بناء العلاقات الاجتماعية. فالمريد الصوفي يتبع ما يسمونه منهج التزكية "الخلوة والعزلة" ليتخلّص المُريد من الآفات الدنيوية ويتقرب من الله ويتماهى وجوده مع روحه الخالدة.

يطلعنا الأدب العالمي والعربي أيضا على تجارب في العزلة واختيار الوحدة سبيلا للعيش من حي ابن يقضان لإبن طفيل الذي تداول على كتابته وإعادة صياغته أكبر الفلاسفة العرب، إلى روبنسون كريزوا الذي عاش 28 سنةً على جزيرة مهجورة على الساحل الأمريكي مرورا بتوم سوير وغيرها من الأفلام والروايات التي تصور الإنسان في عزلته الجغرافية والوجودية متعبدا زاهدا أو مفكرا في ثنائيات السرديات الأسطورية والدينية كالخير والشر والعدالة والظلم والحقيقة والخيال.

ان العزلة في هذا المعنى أو ما أصبح يوصف اليوم بالتباعد الاجتماعي نتيجة الحجر الصحي يصبح كأنه شرط للإبداع والخلق. تقول الكاتبة الفرنسية والنسوية المدافعة على حقوق المرأة" سيمون دي بوفوار" لن أنسى أبداً كيف أن العزلة والكآبة كانا شيء جيد وسيء في آنٍ واحد. ولا يزالان كذلك".

في حالتنا التونسية، سواء أكانت اختيارية أو مفروضة بقوة القانون ومن أجل الصالح العام فإن العزلة او الحجر الصحي يعني مزيدا من التفقير بالنسبة للفقراء الذي يعيشون على هامش الأطر والمسالك المؤسساتية للدولة، إذ كيف يمكن ان تقنع أي فرد يعيش على هامش الدولة بأن يصغي لنصائح مسؤوليها؟ ولماذا يجب ان يُصدق المهمّشون وعود السلطة وممثليها بإيجاد الحلول في حين انهم هُمشوا وفُقّروا ولم يتمتعوا ولو "بالأجر الأدنى" من ثمار التنمية منذ دولة الاستقلال الى يومنا هذا؟

تدافع المهمشون والجوعى أمام مكاتب المسؤولين المحليين يطالبون بنصيبهم من الإعانات بعد يوم واحد من إعلان رئيس الحكومة عن بداية توزيع المساعدات على الآلاف من العائلات المتضررة من جائحة كورونا غير عابئين بالحجر الصحي ولا بالتباعد الاجتماعي لان ذلك لا يعني لهم شيئا. هم يقولون انهم موتى في كل الأحوال سواء بقوا في منازلهم أو خرجوا للشارع، فالجوع بالنسبة لهؤلاء أشد كفرا من فيروس الكورونا.
قدم إلياس الفخفاخ رئيس الحكومة التونسي في حوار تلفزي حزمة من الإجراءات و الوعود تهم العائلات الفقيرة(نسبة الفقر تتجاوز 15 بالمائة) والمؤسسات الخاصة المتضررة(تشغل اكثر من مليون و نصف عامل) كما توعد المحتكرين و الفاسدين بالعقاب قائلا ان لا احد "فوق راسه ريشة" أي لا أحد فوق القانون.
 
التجربة علمتنا ان عدد لا بأس عليه من السياسيين ورجال الأعمال والمتنفذين على رؤسهم"ريش كثيف" قاموا بإفراغ حملة مكافحة الفساد من كل آليات المقاومة الحقيقية وحولوها الى مجرد شعارات انتخابية أو ورقة ضغط وابتزاز سياسي. قبل أسبوع تقريبا قام نائبان من مجلس النواب بمساعدة أحد رجال اعمال على الهروب من الحجر الصحي من أحد النزل بمساعدة رجال امن وذلك على مرأى ومسمع من الجميع. مشهد قد لا نراه إلا في أفلام المافيا سنوات السبعين والخمسينيات من القرن الماضي.

إن مكافحة الفساد لا يجب ان تقتصر على الإيقافات الفلكلورية وإنما يجب ان تدُك البُنى التحتية للفساد ونعني بذلك ضرب المشاركين والداعمين والمُسهلين للفساد وعلى رأسهم المسؤولون الكبار والمشرعين الى جانب غلق "الممرات" السياسية والقضائية والإعلامية التي فتحها الفاسدون لتبييض أفعالهم، والأهم من ذك كله تركيز مبادئ الحوكمة الرشيدة والتوزيع العادلة للثروات وقبل كل شيء مكافحة الفقر لأن البؤساء لا ريش لهم سواء في زمن الكورونا أو غيره و البؤساء كما وصفهم الكاتب والروائي الفرنسي فيكتور هيغو في رواية "البؤساء" لا ينظرون ورائهم، فم يعلمون أن النحس يلازمهم وأن الشقاء يطاردهم".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي