: آخر تحديث

هاكابي وتهافت السرديات الإسرائيلية التاريخية

3
3
3

بينما طبول الحرب تدق بعنف مخيف في الشرق الأوسط، ينطق السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بعبارات من الزيف التاريخي، الروحي واللاهوتي، وبما يتجاوز فضاء عمله الدبلوماسي.

في حواره مع الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون، أشار إلى أنه «لا بأس» إذا استولت إسرائيل على كامل أراضي الشرق الأوسط، مستنداً إلى تفسير مزيف لنصوص دينية، فقد موضوعيته، وانتهى عهده، وبات إرثاً من تاريخ مضى.

هاكابي من خلال تصريحاته يعود بنا إلى دائرة اللعب بالنار، حين يطوع الرؤى الدينية المطلقة لخدمة الأغراض السياسية النسبية، وهو أمر برع فيه، وإن كانت براعة مزيفة.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يخلط فيها هاكابي، القس المعمداني الذي ينتمي إلى ما يعرف بتيار اللاهوت التدبيري أو التقسيمي لفترات معينة من التاريخ. ذاك الذي يؤكد أن إسرائيل الحديثة هي كمال تحقيق التنبؤات التوراتية، ويجب دعمها حتى نهاية العالم.

في يونيو (حزيران) من العام الفائت 2025، كتب هاكابي رسالة لترمب، يدعوه فيها ليدخل التاريخ من باب إقامة «مملكة الرب» على أرض إسرائيل، حتى لو كان ذلك يعني حرباً إقليمية كبرى مع كافة الجيران، دافعاً بذلك التاريخ إلى مسار الرؤى الأبوكاليبسية لتحقيق مشهد النهاية الكبرى عبر موقعة «هرمجدون».

تمثل الرؤى التي انطلق منها هاكابي، ولا يزال، خروجاً على الفكر المسيحي التقليدي للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، والكنائس الأرثوذكسية، بل إن كثيراً من الطوائف البروتستانتية الأوروبية والأميركية ترفض بدورها تلك الأطروحات.

بدت رسالة هاكابي، وبالأمس القريب تصريحاته، أقل شبهاً بالمشورة الاستراتيجية السياسية التي يقدمها سفير أميركي لرئيسه، وأكثر شبهاً بتتويج لعقود من أفكار يوم القيامة اليمينية تجاه إسرائيل، والتحول المسيحاني للسياسة الإسرائيلية نفسها، ولم يعد الأمر هذا في حقيقته مجرد عناصر دينية في عالم السياسة الأميركية، بل اختراق جوهري ديني للعقلية الشعبوية، وهو أمر يعود إلى العقود الأولى للمهاجرين الأنغلو-ساكسون (الواسب) الأوائل.

يدرك هاكابي بقوة أنه الجيل الأخير من الأميركيين اليمينيين الذين يدفعون دفعاً في هذا المساق، وقد جاءت حرب غزة لتخيفهم من خلال واقع روحي وسياسي جديد يتبلور داخل الولايات المتحدة، يرفض التفسير الحرفي للنصوص الكتابية، بل ينظر إليها من خلال المعنى والمبنى الروحي الأوسع قلباً وقالباً، من مجرد تحيزات عنصرية دينية.

هل يزايد هاكابي على رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، الذي ردد الصيف الماضي على الملأ، وبأعلى صوت، رواية «إسرائيل الكبرى» الممتدة من الفرات إلى النيل؟

هاكابي يداعبه حلم الترشح لرئاسة الولايات المتحدة، وهو ما سعى إليه في انتخابات الرئاسة عام 2012 في مواجهة باراك أوباما في ولايته الثانية، وغالب الظن أنه يعتبر وجوده في إسرائيل كسفير لترمب فرصة ذهبية لحصد أصوات الأميركيين المؤيدين لإسرائيل، في أي انتخابات رئاسية قادمة رغم أن عامل السن لا يسعفه.

سرديات هاكابي المنحولة، لا بد من الوقوف أمامها وتفنيدها، لا سيما أنها تنطلي على البعض في الداخل الأميركي حتى الساعة، وإن تراجع زخمها في كل الأحوال نتيجة الوعي المتنامي.

الحديث عن فكرة الوعد يحتاج لكتابات مطولة في واقع الأمر، لا سيما أنه كان لإبراهيم الخليل، ما يعني أنه لنسله من العرب أيضاً من ابنه إسماعيل، كما لإسحاق، بل إن «سفر التكوين» الذي يتعرض لِليّ ذراع منهجي، يذكر بالنص وعد الله لإبراهيم: «وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيراً جداً. اثنا عشر رئيساً يلد، وأجعله أمة كبيرة» (تكوين: 17-20).

عن فكرة الوعد هذا يكتب البروفسور إبراهام هيشيل أستاذ التصوف اليهودي في كلية اللاهوت اليهودية في نيويورك، في عدد صحيفة «نيويورك تايمز» الصادر بتاريخ 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 1959، فيقول: «إن هذا الوعد تحقق في الماضي البعيد وانتهت مفاعيله».

من جانب آخر يقدم لنا علّامة مصري محدث، الأب الراهب المصري متي المسكين، في كتابه العمدة «تاريخ إسرائيل من واقع نصوص التوراة والأسفار»، رؤية تفيد بأنَّ الوعد الذي يتعلَّل به هاكابي قد بطل منذ ألفَي عام بتحقق النبوءات المسيانية، التي رفضها شعب إسرائيل عينه.

الأمر الآن في يدَي وزارة الخارجية الأميركية لتقول كلمتها أمام هذا التطاول غير المسؤول لسفيرها لدى إسرائيل.

الأمر جد خطير، ولا يعود بالشرق الأوسط فحسب إلى عصور الحروب ذات الصبغة الدوغمائية، بل يزج بالعالم برمته في أتون صراع المطلقات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد