: آخر تحديث

الانتصار الذي لا يعرف الهزيمة

7
4
5

لا شيء يوازي سحبة مايكل جاكسون الشهيرة في «بيلي جين» حين بدا وكأن الأرض تنسحب من تحت قدميه سوى سحبة ماجد عبد الله بحارس مرمى منتخب الصين لو جيان رن. مشهدان يفصل بينهما عالمان مختلفان الموسيقى وكرة القدم، لكنهما يلتقيان في نقطة واحدة وهي القدرة على إنتاج الدهشة.وقد تكون هذه الدهشة هي أكثر ما يستحق الاحتفاظ به في الذاكرة. فبعض اللحظات لا تقاس بالأرقام ولا تحاكم بالمقارنات ولا تختزل في الإحصاءات. إنها لحظات ترتبط بزمنها وبأصحابها وبالمشاعر التي صاحبتها، ولذلك تبقى عصية على التفسير مهما تغيرت المعايير وتعاقبت الأجيال.كنا في تلك السنوات نستقبل الحياة بعينين مفتوحتين على العالم. وكان كل شيء يبدو أكبر من حجمه الحقيقي وأكثر قدرة على إثارة الإعجاب؛ ففي عام 1982 شهد العالم واحدة من أكثر المباريات رسوخاً في ذاكرة كرة القدم، عندما أطاح المنتخب الإيطالي بالحلم البرازيلي في ملعب ساريا الإسباني عبر ثلاثية مجرم «توتو نيرو» الراحل باولو روسي الذي قال: «كنت على يقين بأنني ألعب أمام منتخب لم يكن من الأرض».لم تكن البرازيل آنذاك مجرد منتخب يبحث عن الفوز، بل مشروع جمالي يقوده تيلي سانتانا الذي منح كرة القدم بعداً مختلفاً قائماً على المتعة والحرية والخيال عبر فلسفة «الجوجو بونيتو» وهي الجدة الكبرى لـ«التيكي تاكا» ابنة جوارديولا، حيث مثلت انعكاساً لطريقة لعب نشأت في شوارع البرازيل في الأزقة الضيقة، حيث يركض الأطفال خلف الكرة كما لو أنهم يرقصون معها، كما لو أنهم معصوبو العيون، كما لو أنهم جميعهم رونالدينو.في تلك الفترة أيضاً ظهر ما هو مدهش بالنسبة لنا، تمثل في انتشار جهاز الفيديو بوصفه نافذة جديدة على العالم. لم يعد الحدث يمر وينتهي، بل أصبح من الممكن استعادته متى شئنا. كانت إعادة مشاهدة المباريات والأهداف تجربة استثنائية لجيل كامل، تماماً كما يفعل الذكاء الاصطناعي اليوم في إعادة تشكيل علاقتنا بالتقنية والمعرفة.وبفضل ذلك الجهاز أصبحت بعض اللحظات أكبر عمراً من الزمن نفسه، إذ تحولت من أحداث عابرة إلى ذاكرة دائمة.أتذكر أن حدود العالم في مخيلة ذلك الجيل كانت تمتد غرباً إلى مسرح «باسادينا في كاليفورنيا»، حيث كان مايكل جاكسون يختبر حدود الجاذبية، وشرقاً إلى الملعب الوطني القديم في «كالانغ بسنغافورة»، حيث كان بيليه الصحراء يختبر ما بعد الممكن في كرة القدم وفي الحالتين كان المشهد واحداً وهو الأرض تنزلق تحت الأقدام وربما لهذا السبب ظلت تلك اللحظات حاضرة في الذاكرة، مثل ذلك المشهد الشهير في رواية «مئة عام من العزلة» حين اكتشف أوريليانو بوينديا الجليد للمرة الأولى لم يكن الجليد هو الحدث الحقيقي، بل الإحساس بالدهشة وهي التي قادته على حافة الموت ليتذكرها حين التقى كتيبة الإعدام وجهاً لوجه، فالإنسان في نهاية المطاف يتذكر أكثر اللحظات التي أدهشته لا أكثر اللحظات التي مرت عليه.هذه الفكرة ذاتها تنطبق على كرة القدم. فهناك لاعبون يصعب الفصل بينهم وبين ما قدموه داخل الملعب كما تساءل الشاعر الإيرلندي وليم بتلر ييتس: «كيف نميز الراقص من الرقصة؟»، ويمكن التساؤل أيضاً كيف نفصل ماجد عبد الله عن سحبته الشهيرة؟ أو مايكل جاكسون عن خطواته الراقصة؟ لأن في لحظات الإبداع الاستثنائية يصبح المبدع والعمل وجهين لحقيقة واحدة.وعندما أستعيد سحبة ماجد عام 1984 لا أتذكر الهدف وحده، بل أتذكر جيلاً كاملاً حاول تقليدها والممرات الضيقة والأرضيات الملساء والمحاولات المتكررة لاكتشاف سر تلك الحركة.كنا نعتقد أن الأمر متعلق بالحذاء أو بطريقة الوقوف أو بزاوية الميلان، ثم نكتشف في كل مرة أن العبقرية لا يمكن استنساخها بسهولة.نحن أبناء جيل ارتبط بماجد عبدالله بطريقة يصعب تفسيرها بالألقاب والبطولات وحدها وليس للانتماء الرياضي علاقة في ذلك بل كانت الموهبة نفسها فماجد حالة نادرة جمعت حولها مختلف الاتجاهات والانتماءات، وأصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية لجيل كامل.ولأننا تعلمنا احترام الذاكرة، فقد احترمنا أيضاً ما كان يرويه من سبقونا عن أسطورة سعيد غراب واستمعنا إلى حكاياتهم عنه دون أن نطالبهم بإثباتات أو تسجيلات أو أرقام لأننا ندرك أن بعض الشخصيات الرياضية تتجاوز حدود الإحصاء لتعيش في وجدان الناس، وأن قيمتها الحقيقية تكمن في ما تركته من أثر لا في ما سجلته من أرقام. فالبطولات التي تلتقي فيها ثمانية أندية ليست كالتي تبلغ ثمانية عشر، والبطولات المتعددة بمختلف المسميات في العام كانت أيامنا لا تأتي كل عام.وكما احترمنا أساطير الأجيال السابقة، فإن من حق كل جيل أن يحتفظ بأساطيره الخاصة وذكرياته الخاصة. فالأمر لا يتعلق بإثبات من كان الأفضل، بل بفهم أن لكل زمن رموزه التي شكلت وجدانه وأعطت لحظاته معناها.لهذا لا تبدو العودة إلى تلك الذكريات نوعاً من الحنين، بل نوعاً من الامتنان. فالذكريات الجميلة ليست أطلالاً نتوقف عندها، بل مصابيح نهتدي بها كلما ازدادت الطرقات ظلمة.ومع مرور السنوات ورحيل كثير من الأشخاص وتغير الأمكنة والملامح، يبقى ذلك الشعور الأول حاضراً فشعور الدهشة الذي صنعته لقطة رياضية أو حركة راقصة أو مباراة لا تنسى ولهذا كلما شاهدت سحبة ماجد عبدالله لا أتذكر لاعباً عظيماً فحسب ولا أسطورة حقيقية قائمة، بل أتذكر جيلاً كاملاً وأصدقاء مضوا، وأحلاماً صغيرة كبرت معنا، وأياماً كانت أبسط وأصدق.وأدرك في كل مرة أن الأبطال قد يرحلون والمباريات قد تنتهي والأضواء قد تنطفئ، لكن ما يتركه الجمال في الذاكرة يبقى أطول عمراً من كل شيء.وذلك ربما هو الانتصار الوحيد الذي لا يعرف الهزيمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد