يا لها من مصادفة ذات ألف معنى، أن يتزامن الاعتداء على مطار الملك خالد في الرياض، مع احتشاد "منتدى أصيلة الثقافي الدولي" في المغرب للبحث عن مَخرج ممّا يجد العرب أنفسهم فيه. كان ذلك في العاشر من هذا الشهر، وكان المحور الأهم من محاور المنتدى عن العرب، وعن التحدّيات والتحوّلات والآفاق، وكان ينعقد في "مكتبة الأمير بندر بن سلطان" في مدينة أصيلة المُطلّة على المحيط الأطلنطي، وكانت الأنباء تتوارد في اللحظة ذاتها عن اعتداءٍ قام به الحوثيّون على المطار، فأوقعوا 12 قتيلًا و 309 مصابين!.
في كلّ موسم من مواسم المنتدى الذي بدأ مواسمه في 1978، كان العرب حاضرين بقضاياهم التي كانت بطبيعتها تعيش مع المنتدى من موسم إلى موسم، وكنت أرى محمد بن عيسى، مؤسّس المنتدى الراحل، يتألّم وهو يرى ويتابع الأحداث في أرض العرب، وكان يتمنّى لو يستطيع تغيير ما يؤلمه، ولكن لسان حاله كان هو لسان شاعر النيل حافظ إبراهيم الذي قال: "لا تَلُم كفّي إذا السيف نبا / صحّ منّي العزم والدهر أبى".
كان بن عيسى ذا حسّ عربي أصيل، وما بين الحسّ العربي الأصيل لديه، ومولده في مدينة أصيلة، ثم تنقّلاته على مدى محطّات حياته الطويلة يرحمه الله، كان يُحزنه أن يكون هذا هو حال العرب، وكان كل ما يستطيعه أن يدعو إلى منتداه في موعده من كل سنة، وأن يحشد فيه كل الذين يأملون أن يكون للعرب موطئ قدم بين الأمم، لعلّ الموطئ يليق بهم، وبتاريخهم، فيأخذ ممّا في أيديهم من إمكانات وقدرات.
عاش الرجل إلى أن أطلق موسم 2024 ثم استأذن في الرحيل، وكان عمله السابق وزيرًا للثقافة ثم للخارجية في الرباط، يمنحه ما يجعله يدرك فداحة ما يلحق العرب من أذى، ثم فداحة ألّا يدرك المسؤولون العرب ضرورة أن يتجاوزوا ما قد يكون بينهم من خلافات، وأن يذهبوا إلى إجراء عربي جامع، يفهم منه الذين يتطاولون علينا كعرب أنّنا لسنا ضعفاء إلى هذا الحد، ولا هُم أقوياء إلى هذه الدرجة.
لقد استغرقنا الكلام عن المنتدى الشهير، وعن مؤسّسه، وعن تزامن أعمال محوره العربي مع العدوان غير المسبوق على المملكة، أو على مطارها في الرياض، أو على مواطنيها ووافديها الذين نالهم من العدوان ما نالهم، فكانت مضيفة مصرية على خطوط شركة مصر للطيران، ومعها طيّار سعودي، من بين ضحايا العدوان الذي نشطت وكالات الأنباء في نقل أخباره، وبثّ تفاصيله، ولم تشأ أن تنسى وهي تنقل وتبثّ أن تضيف في وصف الاعتداء أنّه "منسوب إلى جماعة الحوثي في اليمن". وكان المعنى في الجملة التي بين الأقواس، أنّ الوكالات وهي تنشر ذلك وتبثّه، كانت وكأنّها تريد أن تقول إنّ عدوانًا بهذا الحجم على المملكة، وأرضها، وسيادتها، ومطارها، ومواطنيها، ووافديها، هو عدوان أكبر في حقيقته من قدرات جماعة مثل جماعة الحوثي.
كانت وكالات الأنباء وكأنّها تريد أن تقول من طرفٍ خفيٍّ إنّ جماعة الحوثي إذا كانت لا تُخفي ارتباطاتها بإيران، فإنّ العدوان الذي تكرّر ثم تصاعد حتى بلغ ذروته في حادث المطار، لا بدّ أن يكون وراءه من الأطراف الإقليمية والدولية ما يجعله يتجاوز قدرات جماعة مثل جماعة الحوثي، وربّما يتجاوز معها قدرات حكومة المرشد في طهران نفسها.
كان المعنى أنّ اعتداءً بحجم حادث المطار في الرياض هو اعتداء يحمل بصمات أكثر من طرف إقليمي ودولي بخلاف إيران، وأنّ جماعة الحوثي ليست في الحقيقة سوى واجهة، أو قناع، أو ورقة في أيدي الذين يحرّكونها ويوظّفونها لأهداف ليست خافية على أحد.
ذلك أنّ السعودية عاشت ترفض الالتحاق بما يُسمّى اتفاقيات "السلام الإبراهيمي" إلّا بشروط واضحة كانت تعلنها، وكانت شروطها تتصل بالقضية في فلسطين لا بها هي، وكانت تقول إنها ليست ضدّ التطبيع مع إسرائيل في حدّ ذاته، وإنما ضدّ أن تحصل عليه إسرائيل بغير ثمن تدفعه، ولم يكن الثمن الذي تطلبه الرياض وتتمسّك به سوى البدء في حلٍّ عمليٍّ يُعطي الفلسطينيين حقّهم في أن تقوم لهم دولة مستقلة على أرضهم المحتلة.
ولكن لأنّ في تل أبيب حكومة هي الأشد تطرّفًا منذ نشأة إسرائيل، ولأنّ في واشنطن إدارة غير عابئة بقضية ولا بحلّ لها، فإنّ كل ما كان يهمّهما معًا أن تلتحق المملكة بالاتفاقيّات إيّاها، وأن يكون ذلك بغير انتظار حتى تجد القضية حلّها العملي على أرضها. ولم تكن المملكة تقبل، وكانت الضغوط في المقابل تتوالى عليها وتشتدّ، وكان عدوان المطار وما سبقه من اعتداءاتٍ نوعًا من الضغوط التي لم تكن تخفى على العين المجرّدة.
الآن... والآن بكل ما تعنيه "الآن" في تيّار الزمن، يجد العرب أنهم مدعوون إلى أن ينتبهوا، وأن يستجيبوا لنداء منتدى أصيلة في محوره النقاشي العربي. النداء كان هكذا: "إمّا أن نبادر إلى أن نكون طرفًا في صناعة ما يتسارع حولنا من تحوّلات، فنكون أصحاب خيارات واختيارات في المشهد الذي يتخلّق في الأفق؛ وإمّا أن ننتظر فلا يكون أمامنا سوى القبول بما يمكن أن تنتهي به التحوّلات من نتائج، وهي نتائج لن تكون لصالحنا في الغالب والحال هكذا".
إمّا وإمّا.. ولا شيء بينهما في باب الخيارات.

