عبد الله سليمان الطليان
قد يبدو السؤال بسيطًا، وإجابته معروفة؛ فالأعمار تختلف بين الناس، فمنهم الطفل، والمراهق، والشاب، ومن بلغ أشده، ومن تقدم به العمر حتى بلغ الشيخوخة. لكن السؤال الأهم عن عدد السنوات هو: ماذا يشغل الإنسان في كل مرحلة من مراحل عمره؟
فالعمر ليس مجرد رقم يضاف إلى بطاقة الهوية، وإنما مرحلة تتغير معها اهتمامات الإنسان، وطريقة تفكيره، ونظرته إلى الحياة، وعلاقته بالأسرة والمجتمع والعمل والمال والقيم.
وفي عصرنا الحاضر أصبح فهم هذه المراحل أكثر أهمية؛ لأن المجتمعات تواجه تحديات متشابكة، من بينها البطالة، والفراغ، وتغير العلاقات الاجتماعية، وضعف بعض أشكال الرقابة الأسرية، وانتشار بعض السلوكيات التي قد تتحول عند فئات محدودة إلى انحراف أو جريمة.
المراهقة وبداية الشباب.. المرحلة الأكثر حساسية
تشير الدراسات في علم الإجرام إلى ظاهرة معروفة باسم «منحنى العمر والجريمة»، وهي من أكثر الظواهر ثباتًا في الدراسات الجنائية.
فمعدلات ارتكاب المخالفات تميل إلى الارتفاع خلال سنوات المراهقة، وتبلغ ذروتها في كثير من الدراسات تقريبًا بين 15 و19 عامًا، ثم تبدأ في الانخفاض خلال بداية العشرينيات. وهذا لا يعني أن الشباب هم مصدر الجريمة، ولا أن المراهق الذي يرتكب مخالفة في مرحلة من حياته سيصبح مجرمًا في المستقبل.
بل تشير الدراسات إلى أن كثيرًا ممن يرتكبون مخالفات في سن مبكرة يتوقفون عنها مع التقدم في العمر، بينما تستمر لدى أقلية منهم.
لماذا تكون هذه المرحلة حساسة؟
لأن الشاب في هذه السنوات يعيش مرحلة انتقالية بين الطفولة والرشد.
إنه يريد الاستقلال، وإثبات الذات، والحصول على المال، واكتساب مكانة بين أقرانه، وتكوين شخصيته الخاصة. وفي الوقت نفسه لا تكون لديه دائمًا الخبرة الكافية لمعرفة النتائج البعيدة لبعض قراراته.
وهنا تظهر أهمية الأسرة والتعليم والقيم الدينية والأخلاقية.
فالأسرة التي تمنح الشاب الثقة دون أن تتخلى عن التوجيه، والمدرسة التي تمنحه المعرفة والمهارة، والمجتمع الذي يفتح له أبواب العمل والمشاركة، كلها يمكن أن تساعد في تحويل الطاقة الموجودة لدى الشاب إلى طاقة إنتاج وبناء.
البطالة.. عندما يصبح الفراغ مشكلة اجتماعية
إذا كان العمر مرحلة، فإن العمل أحد أهم العوامل التي تمنح الإنسان شعورًا بالمسؤولية والقيمة والاستقلال.
ولهذا فإن مشكلة بطالة الشباب لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مشكلة اقتصادية فقط.
وتكشف بيانات منظمة العمل الدولية أن معدل بطالة الشباب في الدول العربية بلغ نحو 27.7 في المائة عام 2023، أي أنه كان يقارب أربعة أضعاف معدل بطالة البالغين. كما أن أقل من 20 في المائة من الشباب في الدول العربية كانوا يعملون في ذلك العام، مقابل 53.5 في المائة من السكان البالغين.
وتظهر الفوارق الكبيرة بين الدول العربية؛ فقد وصلت بطالة الشباب في لبنان إلى 47.8 في المائة، وسورية إلى 45.9 في المائة، والأردن إلى 42 في المائة وفق أحدث السنوات المتاحة لكل دولة في بيانات التقرير.
وهذه الأرقام تضعنا أمام سؤال اجتماعي مهم:
ماذا يحدث عندما يكون الإنسان في السن التي يريد فيها أن يبدأ حياته، لكنه لا يجد تعليمًا مناسبًا، ولا تدريبًا، ولا عملًا، ولا طريقًا واضحًا للمستقبل؟
هل البطالة تؤدي إلى الجريمة؟
هنا يجب أن نكون دقيقين.
لا يصح علميًا القول إن كل عاطل معرض للجريمة، أو أن البطالة وحدها تؤدي إلى ارتكابها.
فهناك ملايين العاطلين الذين يعيشون حياة مستقيمة ومحترمة.
لكن الدراسات والتقارير الاجتماعية تشير إلى أن البطالة، خصوصًا عندما تجتمع مع الفقر والفراغ والتهميش وضعف الأسرة وغياب الفرص، يمكن أن تصبح أحد عوامل الخطورة.
وتؤكد دراسة أممية عن التنمية المستدامة في المنطقة العربية أن ارتفاع بطالة الشباب يعوق الحراك الاجتماعي ويزيد عدم المساواة، وقد ارتبط في بعض السياقات بمستويات أعلى من الجريمة والعنف والاضطرابات وتعاطي المخدرات والتطرف السياسي.
وهناك أيضًا دراسة أكاديمية تناولت دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان خلال الفترة 1998– 2012، ووجدت ارتباطًا ذا دلالة بين ارتفاع بطالة الشباب وزيادة الإرهاب المحلي، مع عدم ثبوت العلاقة نفسها بالنسبة للإرهاب العابر للحدود.
وهذه النتيجة تخص الإرهاب تحديدًا، ولا ينبغي تعميمها على جميع أنواع الجريمة.
وماذا تقول الدراسات في مجتمعنا؟
الأمر يصبح أكثر وضوحًا عندما ننظر إلى دراسة متخصصة بعنوان «البطالة وعلاقتها بالجريمة في المملكة العربية السعودية»، وهي رسالة دكتوراه بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية.
وجدت الدراسة أن أغلب أفراد مجتمع الدراسة من العاطلين الذين ارتكبوا أفعالًا إجرامية كانوا في الفئة العمرية 20 إلى أقل من 30 عامًا، وهي مرحلة مهمة لبناء المستقبل وخدمة المجتمع.
كما وجدت الدراسة ارتباطًا بين الحالة المهنية ونوع الجريمة، وأن ضعف المستوى الاقتصادي ارتبط بصورة خاصة بالجرائم المالية، وأن السرقات احتلت المرتبة الأولى بين الجرائم المدروسة، إضافة إلى وجود ارتباط قوي بين البطالة والفراغ والجرائم المالية.
وهذه الدراسة مهمة بالنسبة إلى موضوعنا؛ لأنها تربط بين ثلاثة عناصر: الشباب - البطالة - الفراغ.
المشكلة ليست البطالة وحدها.. بل اجتماع عوامل متعددة
إذا أردنا أن نفهم العلاقة بين البطالة والجريمة فهمًا صحيحًا، فلا ينبغي أن نقول: البطالة = جريمة.
بل يمكن أن نقول: البطالة + الفراغ + الفقر أو الحرمان + ضعف الأسرة + رفاق السوء + غياب الأمل = ارتفاع عوامل الخطورة.
وهنا يصبح العمل أكثر من وسيلة للحصول على المال.
إنه يمنح الإنسان روتينًا، ومسؤولية، وعلاقات اجتماعية، وشعورًا بالإنجاز، ومكانة، وأملًا في المستقبل.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا يكون توفير فرص العمل للشباب قضية أخلاقية واجتماعية، وليس مجرد قضية اقتصادية.
الأخلاق.. الحاجز الأول
قبل القانون
وهنا نصل إلى الجانب الذي أراه أكثر أهمية من الأرقام كلها: الأخلاق.
فالقانون يأتي في النهاية ليضع حدودًا للسلوك، ويعاقب من يتجاوزها، لكن الأخلاق تبدأ قبل القانون.
فالإنسان الذي تربى على الأمانة لا يحتاج إلى شرطي يقف بجانبه حتى لا يسرق.
والذي تربى على احترام الإنسان وحرمة الدماء لا يحتاج إلى كاميرا حتى يمتنع عن الاعتداء.
والذي يعرف معنى المسؤولية لا يحتاج إلى رقابة مستمرة حتى يؤدي عمله.
ومن هنا فإن مكافحة الجريمة لا تبدأ فقط من السجون والمحاكم ومراكز الشرطة، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير:
في الأسرة، وفي المدرسة، وفي المسجد، وفي الحي، وفي العمل، وفي نوعية الأصدقاء، وفي طريقة تعامل المجتمع مع شبابه.
ليست كل الأعمار متشابهة
الطفل يحتاج إلى التربية.
والمراهق يحتاج إلى التوجيه والثقة والاحتواء.
والشاب يحتاج إلى التعليم والعمل والمسؤولية والفرصة.
والرجل في منتصف العمر يحتاج إلى الاستقرار وتحمل مسؤوليات الأسرة والمجتمع.
أما كبار السن، فالمجتمع يحتاج إلى خبرتهم وتجاربهم، وهم بدورهم يحتاجون إلى الشعور بأن خبرتهم ما زالت ذات قيمة.
وبذلك لا يصبح العمر مجرد انتقال من رقم إلى رقم، وإنما انتقال من الحاجة إلى التربية، إلى الحاجة إلى التوجيه، ثم إلى المسؤولية، ثم إلى العطاء ونقل الخبرة.
الجريمة لا تبدأ دائمًا
عند باب السجن
ربما يكون من الخطأ أن ننتظر حتى يرتكب الشاب الجريمة ثم نسأل: لماذا فعل ذلك؟
السؤال الأهم يجب أن يكون قبل ذلك:
أين كان يعيش؟
كيف كانت أسرته؟
هل كان يتعلم؟
هل كان يعمل؟
من هم أصدقاؤه؟
هل كان يشعر أن له مستقبلًا؟
هل وجد من يسمعه عندما كان يواجه مشكلة؟
وهل تعلم منذ طفولته أن هناك فرقًا بين الرغبة والحق، وبين الحرية والفوضى، وبين القوة والاعتداء، وبين المال المشروع والمال الحرام؟
هذه الأسئلة قد تكون أهم من السؤال عن العقوبة بعد وقوع الجريمة.
العمر فرصة وليس
حكمًا على الإنسان
ارتباط الجريمة بالعمر لا يعني أن الإنسان محكوم بماضيه. فالسلوك الإجرامي ينخفض لدى كثير من الأشخاص مع التقدم في العمر، وقد يكون الانتقال إلى العمل والاستقرار وتكوين الأسرة وتغير البيئة الاجتماعية جزءًا من عملية الابتعاد عن الجريمة.
ولهذا فإن التعامل مع الشباب ينبغي ألا يقوم على الخوف منهم، وإنما على فهمهم وبناء الفرص أمامهم.
فالشاب الذي يمتلك طاقة كبيرة يمكن أن يكون مشروع مشكلة إذا ترك في الفراغ، لكنه يمكن أن يكون في الوقت نفسه مشروع مهندس، أو طبيب، أو معلم، أو تاجر، أو جندي، أو مبدع، أو قائد اجتماعي.
والفرق في كثير من الأحيان ليس في العمر نفسه، وإنما في البيئة التي تستقبل هذه الطاقة وتوجهها.
الخلاصة
العمر ليس رقمًا على بطاقة، وإنما سلسلة من المراحل التي تتغير فيها حاجات الإنسان واهتماماته ومسؤولياته.
وتكشف الإحصاءات أن بطالة الشباب تمثل تحديًا استثنائيًا في المنطقة العربية؛ فقد بلغت نحو 27.7 في المائة عام 2023 وفق منظمة العمل الدولية. وفي الوقت نفسه تشير الدراسات إلى أن مرحلة المراهقة وبداية الشباب هي الأكثر حساسية من ناحية السلوك المخالف للقانون.
لكن الخطأ هو أن نضع الشباب والبطالة والجريمة في جملة واحدة وكأن بينها علاقة حتمية.
الأدق أن نقول إن البطالة والفراغ والتهميش، عندما تجتمع مع عوامل اجتماعية واقتصادية وأسرية أخرى، قد تزيد من مخاطر بعض أشكال الانحراف والجريمة.
ولذلك فإن حماية المجتمع من الجريمة لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، وإنما تبدأ قبلها بسنوات: بتربية الطفل، واحتواء المراهق، وتعليم الشاب، وتدريبه، وإتاحة العمل أمامه، وغرس الأخلاق في داخله، ومنحه الشعور بأنه عضو مهم ونافع في مجتمعه.
فالمجتمعات لا تقاس فقط بعدد سكانها، وإنما تقاس أيضًا بما تزرعه في عقول شبابها، وما تفتحه أمامهم من أبواب، وبالقيم التي تجعل الإنسان يختار الصواب حتى عندما لا يراه أحد.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: «كم عمرك؟»
بل ربما يكون السؤال الأهم:
«ماذا يفعل الإنسان بالسنوات التي أعطاها الله له؟ وماذا يفعل المجتمع بسنوات شبابه؟»

