تغريد إبراهيم الطاسان
لا يتزوج الرجل امرأة فقط، ولا تتزوج المرأة رجلًا فقط، بل يدخل كل منهما إلى عالم كامل من العلاقات والعادات والصداقات والذكريات. ولهذا فإن الزواج لا يجمع شخصين فحسب، بل يلتقي عنده تاريخان اجتماعيان مختلفان، يحتاجان إلى إعادة ترتيب حتى يولد بيت جديد له شخصيته المستقلة.
ومن أكثر العلاقات التي تحتاج إلى هذا الترتيب علاقة الزوجين بأصدقائهما. فالصداقة قيمة إنسانية نبيلة، وهي من علامات الصحة النفسية والاجتماعية، لكن الزواج يغيِّر موقعها في الحياة. فما كان طبيعيًا قبل الزواج قد يحتاج إلى مراجعة بعده، ليس لأن الصداقة أصبحت خطأ، وإنما لأن الأولويات تبدلت.
وتبدأ المشكلة حين يرفض بعض الأصدقاء الاعتراف بهذه الحقيقة. يريدون من صديقهم أن يبقى كما كان؛ السهر ذاته، والوقت ذاته، والأسرار ذاتها، والقرارات التي تُناقش معهم قبل أن تُناقش مع شريك الحياة. وكأن الزواج حدث عابر لا يغيّر شيئًا في هندسة العلاقات.
وفي المقابل، يقع بعض الأزواج في خطأ معاكس، فيطالب أحدهما الآخر بقطع كل صداقاته السابقة، معتقدًا أن الحب الحقيقي يعني العزلة عن الجميع. والحقيقة أن الزواج الذي يخاف من كل صديق هو زواج لم يكتمل فيه معنى الثقة، كما أن الزواج الذي يسمح للأصدقاء بالدخول إلى كل تفاصيله هو زواج لم تكتمل فيه حدود الخصوصية.
فالبيت الناجح لا يُبنى بالجدران وحدها، بل تُبنى له حدود معنوية يعرف الجميع أين تبدأ وأين تنتهي. ومن حق الأصدقاء أن يشاركوا الأفراح، وأن يساندوا في الشدائد، لكن ليس من حقهم أن يصبحوا شركاء في صناعة القرار، أو قضاة في الخلافات، أو مستودعًا لأسرار الحياة الزوجية. فهناك فرق كبير بين الاستشارة والتدخل، وبين المواساة والوصاية.
ولعل أكثر ما يرهق بعض الزيجات اليوم أن الخلاف لا يبقى بين الزوجين، بل يخرج سريعًا إلى مجموعة الأصدقاء. كل طرف يبحث عمَّن يؤيِّده، فتتحول المشكلة الصغيرة إلى قضية عامة، ويصبح كل صديق محاميًا عن أحد الطرفين. وعندما تنتهي الخلافات -وهي غالبًا تنتهي- تبقى الكلمات التي قيلت، والصور التي رُسمت، والانطباعات التي يصعب محوها.
ومن الحكمة أن يدرك الزوجان أن الأصدقاء يعرفون جزءًا من القصة، بينما يعيشان هما القصة كلها. ولذلك فإن الأحكام التي تُبنى على رواية واحدة كثيرًا ما تكون ظالمة، حتى وإن صدرت بحسن نيَّة.
كما أن من الأخطاء الشائعة أن تتحول الصداقة إلى مساحة للمقارنات. فيقال: زوج فلانة يفعل كذا، وزوجة فلان لا تفعل كذا، ويبدأ قياس البيوت المختلفة بمقاييس واحدة، مع أن لكل بيت ظروفه، ولكل علاقة لغتها الخاصة، ولكل زوجين اتفاقاتهما التي لا تشبه أحدًا.
إن الصديق الحقيقي لا ينافس الأسرة على مكانتها، بل يحترمها. يعرف أن الزواج ليس خصمًا للصداقة، وإنما مرحلة جديدة تفرض إيقاعًا مختلفًا للحياة. وإذا كان الحب الناضج يعني أن تمنح شريكك الأولوية، فإن الصداقة الناضجة تعني أن يتقبل الأصدقاء هذه الأولوية دون شعور بالخسارة.
ولذلك فإن نجاح العلاقة الزوجية لا يُقاس بعدد الأصدقاء الذين بقوا حولها، بل بقدرة الزوجين على رسم حدود واضحة بين حياتهما الخاصة وحياتهما الاجتماعية. فكلما كانت هذه الحدود أكثر وضوحًا، بقيت الصداقة مصدرًا للدفء، وبقي البيت مكانًا لا يدخله إلا من يعرف أن احترام خصوصيته هو أول شروط المحبة.
ولعل أجمل تعريف للنضج الاجتماعي أن يعرف الإنسان أن بعض الأبواب تُفتح للأصدقاء، لكن باب القرار، وباب الأسرار، وباب العلاقة بين الزوجين، لا يملك مفاتيحه إلا صاحبا البيت.

