لماذا أصبح الثناء على الظاهرة الأرجنتينية وأحد أهم أساطير كرة القدم منذ أن اخترعها الإنجليز في منتصف القرن التاسع عشر يمثل استفزازًا لبعض النصراويين؛ لدرجة الهجوم الشرس على كل من يجرؤ على إنصاف ميسي سواء كان لاعبًا سابقًا في الفريق مثل الكابتن صالح المطلق، أو كان رئيسًا سابقًا مثل الأمير فيصل بن تركي؟!.
أتفهم غضب النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو حين يستفزه جماهير الأندية الأخرى بالهتاف لميسي، فهي غيرة مهنية قد تكون مبررة، بغض النظر عن حجم ردة الفعل واختلاف درجتها وحدتها من شخص لآخر؛ كلٌ بحسب ثباته الانفعالي، وثقته بنفسه، وبغض النظر عن قناعتي الشخصية ومعي ملايين في العالم يجدون أن مجرد اقتران اسم رونالدو بميسي يجب أن يكون مثار فخر وغبطة وسرور لدى النجم البرتغالي الذي كان لانضمامه إلى ريال مدريد وعقد مقارنة بينه وبين ميسي أثر إيجابي كبير في مسيرة رونالدو وشهرته!.
أما غضب النصراويين تجاه أي مدح أو ثناء أو رأي إيجابي في ميسي فلا يمكن تبريره أو منطقته كرويًا وإعلاميًا وجماهيريًا، إلا من باب واحد فقط وهو أن النصراويين يعيشون أزمة ممتدة تاريخيًا تتمثل في عدم وجود نجوم وأساطير يرمز لناديهم ويُرمز به ناديه، وكانوا يبحثون عن هذه الرمزية منذ اعتزال أسطورة النصر ماجد عبدالله حتى وصول كريستيانو رونالدو، وما بين هذه وتلك ظلوا في محاولات يائسة وفاشلة لأسطرة عدد من اللاعبين المحليين والأجانب لأنَّ جزءًا كبيرًا من أيدلوجية المشجع والإعلامي النصراوي قائم على وجود هذه الرمزية، ومحاولة خلقها وصناعتها إن لم تكن موجودة.
والحقيقة أنَّ كريستيانو رونالدو نجم وأسطورة برتغالية ولا شك؛ لكنه لم ولن يكون أبدًا أسطورة نصراوية، فهو صناعة أكاديمية سبورتنغ لشبونة البرتغالي، وعاش لمدة 6 سنوات أعظم لحظاته الكروية وسنواته الرياضية مع مانشستر يونايتد الإنجليزي تحت قيادة السير أليكس فيرجسون، ثم 9 مواسم عظيمة وتاريخية مع ريال مدريد الإسباني، و3 سنوات أقل وهجًا ونجومية مع يوفنتوس الإيطالي، قبل أن يعود لفريقه السابق مانشستر يونايتد لفترة قصيرة قبل أن ينتقل إلى نادي النصر ليختتم فيه مشواره الكروي في صفقة سياحية ترويجية أكثر منها كروية، والقصد منها في المقام الأول استثمار اسمه وشهرته وشعبيته في أيامه الأخيرة كلاعب كرة قدم.
والأغرب أنَّ هؤلاء ينكرون حتى على الجماهير الهلالية تعبيرها عن الإعجاب بالأعجوبة ميسي بحجة أنه رفض عرض الهلال، وهي نظرة سطحية قد تقبل من مشجع بسيط ذي ثقافة محدودة؛ لكنها لا تُقبل ممن يقدمون أنفسهم أو يُقَدَّمون كإعلاميين من واجبهم المساهمة في رفع وعي وفكر المتلقي، والمشجع الهلالي وهو ينصف ميسي يثبت رقيه وعلو فكره، فهو يعلم أنَّ الانتقالات يحكمها العرض والطلب، وتحكمها المصلحة الشخصية، ولا تحكمها العاطفة، وأنَّ من نجح في ضم رونالدو، ومن فشل في ضم ميسي هو طرف واحد لا علاقة للنصر والهلال بنجاحه هنا وفشله هناك، وأن العرض والطلب وظروف اللاعبين ووضعهما في سوق الانتقالات ومدى حدة المنافسة عليهما هو من كان متحكمًا في الأمر، وأنَّ كل لاعب منهما اختار القرار الذي يناسبه ويرضيه ماليًا، لا حبًا في هذا الطرف ولا انتقاصًا من الآخر، فلا يوجد هنا ما يوجب إحساسًا نصراويًا بمعروف من رونالدو، ولا يوجد ما يوجب ضغينة هلالية تجاه ميسي.
أخلص هنا إلى أنَّ كرة القدم في نهاية الأمر لعبة ومجال إبداعي يهدف للتسلية والمتعة، ولا أحد يقدم المتعة البصرية في عالم كرة القدم في آخر عقدين مثلما يقدمها ليونيل ميسي، فاتركوا التعصب، واستمتعوا بما يقدمه هذا القصير المكير في آخر أيامه الكروية بغض النظر عن أي أشياء أخرى قد تحرمك متعة هذه المشاهدة، وتجعلك تخوض معركة لا ناقة لك فيها ولا جمل، وتقودك لشن حرب ضروس مدججًا بكل أسلحة الاتهامات والشتائم على كل من يقدم رأيه الكروي المحض، وعلى كل من قرر أن يترك التعصب ويستمتع بميسي.

