رائد محمد آل شهاب
هناك سؤال يتداوله معظم البشرية وهو: هل الإنسان يجهل أو يتوهم بالمعرفة المطلقة؟ إن المعضلة البشرية العامة والعميقة ليست فيما يجهله الناس، بل فيما يتوهمون أنهم يعرفونه تمام المعرفة، ويوقنون بأنه الحق، ولا يضعونه موضع التحليل والفحص والتحقق.
لكل فرد أنماط ذهنية ووجدانية تختلف عن الأنماط الذهنية لكل الآخرين، ومن هنا تأتي تلقائية وحتمية الاختلاف، ومثلما يقول الدكتور. جنان محمد أحمد في كتابه (الابستمولوجيا المعاصرة): إن ما نتصوره في عقولنا ليس هو الحقيقة ولا الواقع، ولكنه صور وتمثلات. ويوضح عالم النفس إيريك فروم في كتابه (الحب أصل الحياة): بأن الإنسان لا يرى لكنه يتخيل، إن الحقيقة ذات الصلة هي ما ثبت في مخيلته.
لذلك بقي مليارات البشر محكومين بما تتوارثه الأمم من أنساق ثقافية انسابت إليها من أعماق التاريخ عبر تتابع الأجيال، أم الذي تحقق من تطورات الأفكار والعلوم للعالم على المستوي العام، وكذلك على المستويات الفردية فهو عقلنه العمل، تنظيماً وأداء، واكتساب مهارات وكفايات الأداء في مختلف المجالات، إنه بعقلنة العمل والتنظيم، تحقق كل ما تحقق مع استمرار هيمنة الانساق الثقافية المتوارثة، هيمنة تلقائية على كل الأمم. فالأصل في الإنسان في الماضي والحاضر في كل المجتمعات أنه يعيش بوعي زائف، وأنه دائماً يتوهم المعرفة.
لتوضيح الصورة، سأكتفي بثلاثة أمثله:
قول الله تعالى: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ الآية القرآنية رقم 42 في سورة هود. والتي تشير إلى أن النبي نوح «عليه السلام» دعا ابنه ليركب معه السفينة قبل الطوفان، فأبى وغرق. الذي عرف بمخالفته لعقيدة والده وسوء أخلاقه مع نبينا نوح طوال حياته، ومع ذلك نادى نوحاً ابنه وهو في معزل، ينظر له نظره الشفقة، والسفينة تجرى بهم في موج كالجبال. ثم حال بينهما الموج وهو من المغرقين، أي مات غرقاً. وبالرغم من موته، أصابته الشفقة رغم كل الأذى الذي حصل منه لم ينكر ولدة وما نفاه، فنادى نوح ربه وقال: إن ابني من أهلي، وأن وعدك الحق، لأن الله تعالى وعده بأن ينجيه وأهله، ولكن جاء الرد من الله عز وجل: أنه ليس من أهلك. فالشاهد من هذه القصة المميزة والغنية في معانيها، والتي تحمل عدة أبعاد من أبرزها يوجه الإنسان لبناء أسره صلبة فولاذيه الحماية. ولكن ما أريد أن أشير إليه، إنه كان مخالف في أهم المواضيع البشرية وهو «الاعتقاد» بالرغم أنه ليس شخصاُ عادياً كسائر البشر، فهو ابن نبي.
لبث النبي نوح «عليه السلام» في دعوة قومه 950 سنة، على مدار هذه القرون الطويلة، صبر على أذى قومه وتكذيبهم ولم يؤمن معه إلا قليل.
في حفل الأوسكار والتي تعود في الواقع إلى حفل توزيع جوائز «الغولدن غلوب لسنة 2025»Golden Globes ceremony: فقد أثارت الممثلة الكوميدية ومقدمة الحفل «نيكي غلاسر- Nikki Glaser» جدلاً واسعاً على الإنترنت حين أشارت إلى أن أياً من الفائزين لم يشكر الله، معلقةً بسخرية: «لا عجب في هذه المدينة الخالية من الله». فأتت الرد سريعاً وقوياً، بعد 48 ساعة فقط من سخرية حفل «الغولدن غلوب» من الله عز وجل، اجتاحت حرائق مدمرة مدينة لوس أنجلوس. والنتيجة، كانت حرائق كاليفورنيا لعام 2025 من بين الكوارث الأكثر تكلفة وتدميراً في تاريخ الولايات المتحدة. اندلعت هذه الحرائق نتيجة رياح سانتا آنا العاتية التي بلغت قوة الإعصار، بالإضافة إلى ظروف الجفاف الممتدة في أوائل يناير 2025، حيث اندلعت سلسلة من الحرائق، أبرزها حريقا إيتون وباسيفيك باليسيدز، والتهمت أكثر من 525 ألف فدان، ودمرت أكثر من 16 ألف مبنى، وتسببت في أكثر من 30 حالة وفاة مباشرة وتشريد الألف من السكان، وخسائر اقتصادية بمئات المليارات من الدولارات. وخلال وبعد هذا الرد الإلهي، تبين البعض من المجموعة التي سخرت من غياب الله عز وجل ومن بينهم مقدمة الحفل «Nikki Glaser» فقد قامت بالتوسل وذكر الله تعالى للتخلص من الهلاك.
فإذا أمعنا النظر سريعاً، نلاحظ أن نسبة كبيرة من البشرية تتوهم بالمعرفة المطلقة وينتج خاصية التقليد بعضهم بعضاً حتى في الأمور التي كان يظن أن الناس فيها عقلانيين ومستقلي التفكير، هذا ما أثبته العلم فتم منح صاحب الدراسة دانيال كانمان جائزة نوبل في الاقتصاد رغم أنه من علماء النفس.
من وجهه نظري، الاكتفاء في الحصول على المعرفة العميقة (وليس المطلقة) هو بحد ذاته إنجاز عظيم، وتتطلب جهد وعمل استثنائي من متخصصين في علوم مختلفة مثل علوم الاجتماع والنفس والفلسفة والاقتصاد.. تتطلب مراكز وابحاث حية على المستوي الإقليمي والدولي. عملية وطريق طويل جداً ولكن تأثيرها سيكون عالم يملؤه أبعاد المعرفة العميقة والتطور والسلام. أعتقد يستطيع العالم استخدام وتطوير نظرية الكاتب «عقلنة العمل والتنظيم» لينقد ما يمكن إنقاذه ويكون الجسر الموصل لنظرية الاتفاق المعرفي العميق الذي يضمن سلامه كوكب الأرض.
** **
المصادر:
كتاب ورقي: مفكر ووطن – إبراهيم البليهي، من أعلام الوطن، منتدى الثلاثاء الثقافي
محاضرة بعنوان «في التنمية الأسرية ملامح عامة» لسماحة الشيخ الدكتور. فيصل العوامي، محرم 1448هـ.

