محمد سليمان العنقري
زيادة عدد القطاعات والشركات في السوق المالية غاية في الأهمية لتنويع الخيارات امام المستثمرين وتمثيل الاقتصاد لكي تتوازن حركة السوق وترتفع جاذبيته وهو ما تحقق في السوق المالي السعودي بما يخص سوقي الأسهم الرئيسي والموازي نمو، لكن الملاحظ هو تراجع متوسط السيولة المتداولة ولفترة طويلة لمستويات لا تتناسب مع حجم السوق وقيمته التي تتجاوز 9,5 تريليون ريال للسوق الأول، فأي سوق مالي تتنوع الفرص فيه بشكل كبير ويصبح عدد الشركات بالمئات يحتاج لتصاعد بحجم السيولة المتداولة يوميا وإلا سيصبح «كجسم طائرة جامبو ضخمة بمحركات سيارة صغيرة»، أي لن يتمكن من الإقلاع للمستوى المستحق أو الذي يواكب نمو النشاط الاقتصادي.
وقد يرد البعض بأن الأساس هو الاستثمار والنظر لنسبة العائد من التوزيعات للشركات قياسا بالفرص البديلة دون النظر لحركة سعر سهم الشركة أو قيمة المؤشر وهذا الرأي من الناحية النظرية لقواعد الاستثمار يعد منطقيا لكنه أيضا يخالف قواعد مهمة في الاستثمار للمدى البعيد، فهناك عامل التضخم ومعروف أن الأصول يفترض أن تستوعب هذا الأمر لتحافظ على القوة الشرائية لمبلغ دفع للاستثمار في أصل تنمو إيراداته وبالتالي لا بد أن قيمته ترتفع، أي أن من يستثمر بورقة مالية اليوم بمبلغ ما التي تمكنه أن يكون ثمنا لأصل آخر ومن ثم لم تتغير قيمة الورقة المالية لعدة أعوام رغم نمو أعمال الشركة فإنه عندما يتخارج منها ويعود لشراء أصول خارج السوق المالية سيجد أن القوة الشرائية عنده قد انخفضت والأمثلة كثيرة بتغير أسعار العقار والسيارات والسلع والمنتجات ارتفاعا مع الزمن لاستيعاب التضخم، فالعالم يعيش أزمة تضخم منذ عقدين على الأقل وخصوصا بعد تسونامي السيولة الضخم الذي تم ضخه في الأسواق عبر التيسير الكمي من أمريكا وعديد من الدول الكبرى اقتصاديا بعد الأزمة المالية العالمية 2008 واستمرار سعر الفائدة منخفضا قرب الصفر لأعوام طويلة عمقت ورسخت التضخم في العالم.
كما أن ما يميز أسواق المال عن غيرها هو سرعة التخارج منها فإذا انخفضت السيولة أصبح ذلك صعبا وهو ما سيؤدي لإحجام المستثمرين عنه لأنه فقد أحد أهم عوامل الجذب له وبالتالي يؤثر على خطط المستثمرين بإعادة توزيع المراكز أو الذهاب لاستثمارات بأصول خارج السوق المالية وبذلك يفقد الاقتصاد جانبا من ديناميكية سرعة حركة الاستثمار فيه بل قد يضطر البعض للبيع بأي سعر سعيا لعدم تفويت الفرصة البديلة وهو ما قد يضغط على سعر الورقة المالية هبوطا، فالمضاربة كما يقال هي ملح السوق والعامل الأساسي لعنوان جاذبيته فتراجع السيولة لمستويات دون أربعة مليارات بما يعادل 0,04 من القيمة السوقية الكلية للشركات المدرجة هو ما يعد تحديا رئيسيا في جاذبية السوق، فالأسواق الأمريكية على سبيل المثال تعادل نسبة التداول اليومية 1,5 في المائة تقريبا من حجم القيمة المجمعة للأسواق الأمريكية وهي نسبة مثالية تجعل جاذبية الاستثمار والتداول فيه الأعلى جاذبية عالميا.
قاع سوق الأسهم يبدو أنه أصبح واضحا بما أن المؤشر وجل أسعار الشركات استقرت لمدة طويلة فاقت العامين بهذه المناطق السعرية الحالية لكن متوسط السيولة يتراجع ولا يعرف أين قاعه؟ وهو ما يتطلب إعادة دراسة الأسباب المؤدية لذلك وإزالة أي معوقات تحد من تدفق السيولة للتداول اليومي بما يتناسب مع التوسع بعدد الفرص الضخم بالسوق والإصلاحات التنظيمية الكبيرة التي شهدها منذ أعوام ورفعت من مستوى تقييمه ليكون من بين الأسواق الناشئة المنضمة لأهم المؤشرات العالمية ويعكس التطور بنشاط الاقتصاد وتضاعف حجمه في آخر تسعة أعوام.

