: آخر تحديث

الحاجة إلى مظلة وطنية للمتقاعدين

5
4
4

يعيش في المملكة اليوم أكثر من نصف مليون متقاعد ومتوقف عن العمل؛ تمثل شريحة واسعة تحمل خبرات تراكمت عبر عقود، لكنها ما زالت بلا مظلة مهنية تجمعها أو تستثمر قدراتها بالشكل الذي يليق بها. ورغم وجود جمعية للمتقاعدين ما زالت قائمة وتقدم جهودًا مشكورة، إلا أن الحاجة أصبحت ملحّة لتطوير هذا الدور وتوسيعه ليشمل العمل التعاوني المنظم.

وتعزّز التجارب الدولية هذا التوجه؛ إذ تمتلك عدة دول نماذج ناجحة في إنشاء مظلات وطنية للمتقاعدين، أبرزها الولايات المتحدة عبر منظمة AARP التي تُعد أكبر مظلة عالمية وتوفر خدمات مهنية وصحية وقانونية للمتقاعدين. وفي كندا، يعمل المجلس الوطني لكبار السن كمظلة حكومية–أهلية تقدم الاستشارات للدولة وتشارك في وضع السياسات المتعلقة بالمتقاعدين. 

أما سنغافورة، فتعتمد نموذج لجان الخبراء المتقاعدين التي تستثمر خبراتهم في مشروعات الدولة والقطاع الخاص عبر منصات إلكترونية متخصصة. وفي ألمانيا، تنتشر مكاتب Seniorenbüro التي تقدم خدمات اجتماعية ومهنية وتتيح للمتقاعدين المشاركة في أعمال البلديات، فيما تُعد اليابان من أنجح التجارب عبر مراكز الموارد البشرية الفضية التي توفر فرص عمل بدوام جزئي وخدمات مدفوعة تعتمد على خبرات المتقاعدين.

إن إنشاء جمعية تعاونية للمتقاعدين ليس مجرد فكرة، بل ضرورة وطنية. فالجمعية المقترحة –كما طرحها د. عثمان بن عبدالعزيز العثمان– يمكن أن تكون بيت خبرة وطنيًا يضم المتخصصين من مختلف المجالات، ويقدم خدمات استشارية ومهنية للقطاعات الثلاثة. كل ما يصدر عن الجمعية أو أعضائها من دراسات أو استشارات سيكون بمقابل مالي متفق عليه بالتراضي بين الجمعية والخبير، مما يخلق مصدر دخل مستدام ويعيد تفعيل خبرات المتقاعدين في خدمة الوطن.

وهذه الرؤية ليست جديدة تمامًا؛ فقد رحّب بها سابقًا معالي الدكتور محمد الرشيد –رحمه الله– عندما كان وزيرًا للتربية والتعليم، لكنها لم تنطلق رغم فائدتها الكبيرة. واليوم، ومع وجود جمعية خبراء لتمكين القطاع الثالث التي تعمل مجانًا ضمن نطاق محدود، تبدو الحاجة أكبر لإنشاء مظلة أشمل تخدم جميع القطاعات وتستثمر الخبرات الوطنية بدل الاعتماد على الخبرات الوافدة.

ويمكن تسويق الجمعية التعاونية للمتقاعدين على أنها بنك معلومات وطني أو هيئة خبرة سعودية تقدم خدمات احترافية للجهات الحكومية والخاصة وغير الربحية. كما يمكن إطلاق منصة إلكترونية تستوعب الكفاءات المتقاعدة الراغبة في العمل والاستشارات، وفق نموذج واضح يشمل السيرة الذاتية، التخصص، الضوابط المهنية، وآلية التعاقد بين الخبير والجمعية والجهة المستفيدة.

إن تأسيس هذه المظلة سيعيد للمتقاعد دوره الحقيقي، ويستثمر خبرته ووقته وعلاقاته، ويحقق حلمًا وطنيًا بأن يحل الخبير المواطن محل الخبير الوافد، في خدمة الوطن والمجتمع والاقتصاد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد