: آخر تحديث

كردستان... الإقليم الذي نجا ثلاث مرات

6
8
6

في الخامس والعشرين من سبتمبر (أيلول) 2017، صوّت نحو 92 في المائة من ناخبي إقليم كردستان لمصلحة الاستقلال، في اقتراع جرى بانتظام لافت وتحت أنظار مراقبين دوليين، غير أن النتيجة اصطدمت بحائط الجغرافيا والسياسة معاً؛ فأُغلقت المطارات أمام الرحلات الدولية، وفُرضت قيود اقتصادية مشددة، وخرجت كركوك من إدارة الإقليم، ووجد الإقليم نفسه يتحمّل منفرداً تكلفة سؤال مشروع في جوهره، طُرح في توقيت رفضته العواصم الإقليمية والدولية على السواء، لكن تجارب الشعوب تُشير إلى أن الإرادات الجمعية الكبرى قلّما تُلغى بالعقوبات؛ إنها تؤجَّل في الغالب.

لم يولد هذا الكيان من ترف سياسي، بل من رحم مأساة إنسانية؛ فبعد انتفاضة 1991 ونزوح الملايين نحو الجبال، فرض المجتمع الدولي منطقة حظر جوي تحوَّلت خلال عام واحد إلى التجربة البرلمانية الأولى في التاريخ الكردي الحديث، ثم جاء دستور 2005 ليمنح الإقليم وضعاً اتحادياً معترفاً به، فشهد نهضة عمرانية وجامعية، واستثمارات خليجية وتركية واسعة، واستقراراً أمنياً ميّزه عن محيط مضطرب، وحين اجتاح تنظيم «داعش» ثلث مساحة العراق عام 2014، شكّلت قوات البيشمركة أحد خطوط الدفاع الرئيسية، واستقبل الإقليم مئات آلاف النازحين من مختلف القوميات والأديان، فترسَّخت في الإدراك الدولي صورته كياناً يحتمي به الناس لا يفرّون منه.

ثم جاء الاختبار الأخطر: الحرب الأميركية - الإيرانية التي اندلعت في فبراير (شباط) الماضي، ووضعت الإقليم في قلب العاصفة؛ إذ استقبلت أراضيه نحو سبعمائة هجمة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، أي ما يعادل أربعة أخماس ما تلقاه العراق كله من نيران إيران والفصائل المرتبطة بها، وطالت الهجمات مطار أربيل، والقنصلية الأميركية، وحقول الغاز، ومقار البيشمركة، وأحياء سكنية، وكان خطأ واحد في الحساب كفيلاً بتحويل الإقليم إلى ساحة مواجهة شاملة، غير أن إدارته للأزمة اتَّسمت بقدر ملحوظ من ضبط النفس؛ فقد اعترضت منظوماته الدفاعية غالبية الهجمات، وامتنع عن الانجرار للرد رغم الاستهداف المتكرر، وحافظ على خيط التواصل مع طهران وبغداد في وقت أبقى فيه قنوات التنسيق مفتوحة مع واشنطن على أعلى المستويات، وبخروجه من المواجهة ملاذاً لا طرفاً، ازداد حضوره في الحسابات الدولية؛ إذ بدا للعواصم الكبرى أن هذا الكيان الصغير يُمثل إحدى أكثر النقاط استقراراً وعقلانية في خريطة مضطربة تمتد من طهران إلى المتوسط.

غير أن المفارقة أن ما عجزت عنه الصواريخ يكاد الانقسام الداخلي أن يُحققه؛ فالأزمة المزمنة بين الحزبين الرئيسيين عطّلت تشكيل حكومة الإقليم أكثر من عام ونصف العام، وأبقت الإدارة موزعة بين نفوذين، والرواتب مرهونة بقرارات بغداد، وملف النفط معلقاً بين المحاكم والصفقات، بل إن بعض القوى السياسية في الإقليم تحالفت مع مجموعات مسلحة تُجاهر بعدائها للإقليم وقيادته، وهي ذاتها التي قصفت أراضيه ومقر رئاسته ومقر إقامة الرئيس مسعود بارزاني؛ فتحول الخصم إلى حليف، وغدا البيت الكردي ساحة لتصفية حسابات الآخرين.

وفي موازاة ذلك، يواجه الإقليم ضغوطاً اقتصادية يصفها مسؤولوه بأنها حصار غير معلن: رواتب موظفيه تُقطع أو تتأخر شهوراً، وحصته من الموازنة تُخفَّض خارج التوافقات المعلنة، وصلاحياته الدستورية تتقلص قراراً بعد آخر، فيما تُحرم قوات البيشمركة، التي شاركت التحالف الدولي في كسر «داعش»، من أي تخصيصات مالية أو عسكرية، في وقت تتجاوز فيه مخصصات الحشد والفصائل ملياري دولار سنوياً عدا التسليح، ويكتمل المشهد بتوقف تصدير نفط الإقليم، وتعثر عمل الشركات النفطية فيه، وفرض رسوم وضرائب مرتفعة على منتجاته المسوَّقة داخل العراق، حتى باتت معاملته أقرب إلى معاملة كيان خارجي منها إلى شريك اتحادي مؤسِّس.

استراتيجياً، يقف الإقليم أمام لحظة نادرة؛ فالمنظومة الإقليمية الإيرانية تتراجع، ونظام المحاصصة في بغداد يترنح، والولايات المتحدة أعادت تموضع قواتها في كردستان تحديداً بوصفها المنطقة الأكثر أماناً وموثوقية، فيما بلغت الاتصالات الأميركية مع قيادتي أربيل والسليمانية مستوى غير مسبوق، وترسم هذه المعطيات ثلاثة مسارات محتملة: بقاء الوضع الراهن بصلاحيات موسعة داخل عراق اتحادي متعثر، وهو مسار استنزاف بطيء؛ أو ترتيب كونفدرالي يمنح الإقليم سيادة اقتصادية وأمنية شبه كاملة مع رابطة رمزية ببغداد، وهو الأقرب إلى منطق المرحلة؛ أو الاستقلال الكامل الذي صوّت له الناخبون، وهو ممكن تاريخياً لكنه مشروط بثلاثة مفاتيح: وحدة داخلية تنهي الازدواجية، واقتصاد يقف على قدميه لا على شحنات نفط متنازع عليها، ولحظة إقليمية ودولية تجعل من كردستان المستقلة حاجة للاستقرار لا تهديداً له.

يبقى استفتاء 2017 حاضراً في الوعي الكردي بوصفه استحقاقاً مؤجلاً لا صفحة مطوية، غير أن التجربة الدولية تعلّم أن الدول لا تقوم بنتائج الصناديق وحدها، بل بالقدرة على حمايتها وترجمتها مؤسساتٍ واقتصاداً وتوافقاً. لقد تجاوز الإقليم اختبار صدام، ثم اختبار «داعش»، ثم اختبار أخطر مواجهة إقليمية منذ عقود؛ ويبقى اختباره الأصعب داخلياً: تجاوز الانقسام، وتسوية أزمته المالية والدستورية مع بغداد، وعلى نتيجة هذا الاختبار وحدها يتوقف ما إذا كانت نسبة 92 في المائة ستظل رقماً في أرشيف الاستفتاءات، أم مقدمة لمسار مختلف يصنعه الكرد بوحدتهم وتتقبله المنطقة بحساباتها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد