حمد الحمد
قد يمر عليك موقف لا تتوقعه وهو بسيط، إلا أنه يعلق في الذاكرة، ويزرع في نفسك الفرح.
قبل أسبوعين كنت في مول جديد في الصباحية، وعند الخروج طلبت من خدمة توقيف السيارات سيارتي، وطلب الموظف مني الانتظار للداخل، وبينما أنا أدخل المول إلا يقبل عليّ طفل صغير بعمر ست سنوات جميل المظهر بملابس أنيقة يتقدم نحوي وهو يرفع رأسه ويحييني ويصافحني مصافحة الرجال. ورحت أصافحه وأرد التحيّة ومشى.
جلستُ على أحد المقاعد وأنا أتصفّح «الواتس» بهاتفي وأنتظر سيارتي، فسمعت صوت امرأة، رفعتُ رأسي، وإذ بسيدة منتقبة تقول لي إن ابنها لا يريد أن يخرج من المول حتى يسلّم على جده... وهو يقصدني، وهو الطفل ذاته الذي حيّاني من قبل حيث اعتبرني جده، رددت عليها قائلاً: حياه الله، وأقبل عليّ وقبلته على رأسه وحييته. وقلت لها: الله يوفقه ويأتي يوم وتحضرين تخرجه وزواجه، ومشت مع الطفل، ورحت أتسلّم سيارتي.
موقف بسيط غير مرتب، يلصق بالذاكرة، وعدت أفسر حال هذا الطفل الذي لديه روح الاهتمام بالآخر وزرع علاقات في محيطه.
من حياتي العملية تأكد لي أن من لديهم هذه الروح وحب التعرف على الآخر وخلق علاقات هم من لهم فرص أوسع في النجاح في الحياة، لكن الإنسان المنغلق على نفسه، ولديه نظرة سلبية للآخر المختلف هذا، الطريق أمامه مغلق وفي حياته الكثير من العوائق.
تسلّمت سيارتي، ورحت وفي فكري صورة ذلك الطفل الذي لا أعرف اسمه والذي أتمنى له مستقبلاً زاهراً، حيث بعد سنوات وسنوات عندما ينهي دراسته، سينضم ربما إلى أعداد من يبحثون عن وظائف من الشباب وهم بالآلاف...؟
لكن اليوم غير الأمس، فقبل 65 سنة عرضت في الكويت مسرحية (عنده شهادة) من تأليف المسرحي الكبير عبدالعزيز السريع، رحمه الله، بمعنى الذي لديه شهادة حياته ومستقبله ووظيفته مضمونة والدرب أخضر أمامه، لكن في زمننا هذا لم يعد هذا الكلام يجدي والمعاش المحدود ينهشه التضخم والمصاريف الكثيرة.
شاهدت برنامجاً تلفزيونياً كويتياً ولفت انتباهي قول لأحد الشباب وهو يقول (اللي عنده حرفة ما يجوع)، وهذه يتوافق مع المثل الشعبي (راعي المعاش ما عاش)، واكتشف أن بعض الشباب هذه الأيام شمّروا عن سواعدهم وامتهنوا حِرفاً بالإضافة إلى الوظيفة المحدودة الراتب.
شاب يصنع أعواداً للعزف ويبيع، وآخر لديه مهنة تشكيل زجاج ويبيع بل يعمل دورات، وآخر في فترة العصر راح يتدرب على سياقة التراكتور ويمتهنها ويدرب من يريد التعلم، وفي الصباح يعمل كمحامٍ، والبعض يعمل على السطحات لنقل السيارات وهكذا وهكذا...
لهذا هناك أبواب للرزق كثيرة، وآخر يقول عملت 30 سنة في وظيفة حكومية ولا أحد يعرفني وعندما تقاعدت وعملت طباخاً أصبح الكل يعرفني.
في الكويت هناك قوانين معوقة عفّى عليها الزمن.
مثلاً إذا كنت تعمل في وظيفة حكومية وبراتب بسيط أو مرتفع، غير مسموح أن تعمل في وظيفة أخرى تحسّن بها وضعك، هذا ما أعرفه حيث نظام التأمينات يمنع، لا أعرف هل هكذا قوانين ما زالت سارية لا أدري.
لهذا، لماذا لا نشاهد الشباب الكويتي من أولاد وبنات يعملون مثلاً في المطاعم أو مطاعم الوجبات السريعة أو الفنادق أو المطار أو غير ذلك، بالإضافة إلى عملهم الصباحي، هذا نشاهده بالدول الخليجية حيث تجد الشباب يعملون في كل القطاعات.
أو بعض الشباب المتقدمين على وظائف ولم يصلهم الدور، لماذا لا يسمح لهم العمل في القطاع الخاص بشكل موقت، حتى يأتي يوم ويثبتون في وظيفة حكومية أو وظيفة في القطاع الخاص تناسب مؤهلاتهم.
أسئلة... ؟ هل هناك من مجيب لا أعرف، أم ما زلنا نقول (الكويت غير)؟!
تحياتي لذلك الطفل الذي كان شرارة هذا المقال، أتمنى له مستقبلاً وحياة كلها نجاحات هو ومن هو في روحه.
ونؤكد أن الكويت ما قبل الحرب الأميركية - الإيرانية وعقدة مضيق هرمز وما بعدها غير غير!.. والله الحافظ.

