لفت انتباهي وبصورة طريفة مؤخراً إعلانات تجارية تُسوّق لخدمة "معازيم بالإيجار"، بطريقة إعلانية مباشرة للتسويق لمعازيم وهميين ولكن حضورهم منسّق، وملابسهم فخمة، وحسب أدوار اجتماعية جاهزة وباحترافية يقدمون أنفسهم على أنهم من أهل العريس أو العروسة، المثير أنهم بإعلاناتهم يؤكدون أنهم من الناحية الرسمية والتجارية عملهم مرخص وموثّق وبنظام توقيع عقد بين الطرفين، وكأننا أمام نشاط نظامي يُعيد تعريف معنى العزوة والحضور، لم يعد الأمر فكرة طريفة نحكيها، بل واقع نعيشه، ومطلوب وبصورة ملفتة..!!
هذا المشهد أعادني إلى فيلم "الصف الأخير"، حين تم (استئجار) بيومي فؤاد لحضور حفل زواج مرتدياً بدلة عسكرية برتبة لواء، ليمنح أهل العروسة "هيبة مستعارة" بمقابل مادي، وتم أيضا استقدام راقصة قُدّمت على أنها "روسية" لرفع مستوى البرستيج، فتحول المشهد الساخر، لواقع نعيشه لكن بدون موسيقى كوميدية!
والأمر لا يتعلق بنا وبمنطقتنا، فالمظاهر صفة موجودة عند البشر جميعاً، من ذلك قصة الفيلم الأميركي "حفلة زفاف كبيرة"، حيث تعيد عائلة كاملة تشكيل صورتها لإرضاء الآخرين، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة، لتتكرر فكرة الظهور الكاذب على حساب الحقيقة.
الإشكالية ليست في المظاهر بحد ذاتها، بل في تحوّلها إلى معيار، منصات التواصل الاجتماعي لعبت دوراً كبيراً في هذا التحوّل، لم تعد تنقل الواقع، بل تعيد إنتاجه، تشير تقديرات إلى أن أكثر من 60% من المستخدمين ينشرون محتوى (مصطنع) لا يعكس حياتهم الحقيقية، فيما يشعر نحو 40% من الشباب والشابات بضغط يدفعهم لاتخاذ قرارات لتقليدهم أحيانا على حساب أحوالهم المادية وقيمهم للحفاظ على صورة مثالية أمام الآخرين.!
ومما يزيد انتشار ظاهرة المظاهر تأثير ما نُسميهم "المشاهير"، الذين ساهموا في ترسيخ هذا النموذج، حياة مصوّرة بعناية، تفاصيل محسوبة، ومشاهد كأنها طبيعية، لكنها في حقيقتها جزء من "تمثيل احترافي"، ومع التكرار تتحول هذه الصورة إلى المقارنة ومحاولة تقليدها حتى لو كان الثمن التخلي عن قيمه أو إمكانياته.
وننسى بذلك المعنى الحقيقي للفرح إذا كان من يشاركوننا في مجرد "خدمة تجارية مدفوعة" لأن الخطر ليس في استئجار المعازيم، بل في استئجار الشعور نفسه، أن نبحث عن السعادة من خلال عيون الآخرين، لا من خلال رضانا الداخلي كون (الفرح الحقيقي) لا يحتاج إلى لواء مستعار، ولا راقصة "مستوردة"، ولا جمهور إضافي، يكفي أن يكون صادقاً، وبهذا الخصوص كانت لي تجربة حضور زواج لصديق وكان زواجاً مختصراً جداً و(ملموم) باللغة العامية، ولكن كانت فيه مشاعر صادقة بدرجة ملفتة جداً دون الحاجة لاستئجار معازيم أو حضور لمجرد الحضور.

