عبدالرحمن الحبيب
«بعد عشر سنوات سيبدو العالم مختلفًا تمامًا، فالنظام الدولي القائم على القواعد، والذي حكم العقود القليلة الماضية، قد انتهى على الأرجح. أما ما سيأتي بعد ذلك، فهو أقل وضوحًا، بل يمكن القول إن لحظتنا الراهنة قد لا تكون مجرد فترة انتقالية بين نظامين، بل هي الوضع الجديد: عودة إلى التاريخ الفوضوي الذي اجتازته البشرية».
هذا ما ورد بمقدمة عدد خاص لربيع 2026 في مجلة فورين بوليسي بعنوان «العالم ما بعد ترامب» وسؤال: كيف سيبدو هذا العالم؟ عرضته المجلة على مفكرين وخبراء لاستشراف ملامح العالم القادم، مؤكدة أن الإجابات ليست سهلة ومختلفة؛ وأنها حسب المجلة: «لا تقدم مجتمعةً رؤيةً واحدةً للمستقبل، وهذا هو جوهر المسألة؛ فمن الواضح أن حالة عدم اليقين السائدة حالياً تعني وجود احتمالات مستقبلية متباينة على نطاق واسع».
ما ينتظرنا بعد هذه الفترة الانتقالية أمرٌ لا نعرفه بعد؛ فكيف سيبدو هذا العالم الجديد بعد عشر سنوات؟ كما تساءل هال براندز، بروفيسور الشؤون الدولية في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، الذي طرح ثلاثة سيناريوهات محتملة لعالم ما بعد ترامب.
أول الاحتمالات هو سيناريو عالمين يُذكّرنا بالحرب الباردة، حيث ينقسم العالم إلى كتلتين متناحرتين بقيادة واشنطن وبكين؛ لكن هذا لن يكون تكراراً للماضي: فالصين، لكونها متصلة عالميًا، لديها خيارات أفضل بكثير للجذب الاقتصادي والإكراه مما كان متاحًا للاتحاد السوفيتي.
أما السيناريو الثاني فيتمثَّل في أن العالم ما بعد الهيمنة الأمريكية لا ينقسم إلى كتلتين عظميين، بل إلى عدة مناطق نفوذ إقليمية أصغر، تؤسس فيه كل دولة قوية إقليمياً نفوذاً جديداً في محيطها.
ثمة احتمال لسيناريو ثالث بالغ الخطورة: فوضى عنيفة وقبيحة، كما يصفها براندز، موضحاً أنه عالم قائم على الاعتماد على الذات، لأن سلوك الولايات المتحدة التي كانت مهيمنة، خلق عالماً تتسم فيه جميع القوى العظمى بالجشع ومتعطشة للتغيير؛ وتواجه القوى الأصغر، لا سيما على طول خطوط الصدع في أوراسيا، خطر التضييق عليها من عدة جهات، فيصبح الاعتماد على الذات -أي أن كل دولة تهتم بنفسها- هو الرد الوحيد الممكن. لكن تلك الفوضى لن تدوم: ففي نهاية المطاف، سيترسخ نظام هرمي جديد بقواعد جديدة، حسب براندز.
على غرار هذا السيناريو، ولكن بطريقة إيجابية يطرح سارانغ شيدور (مدير برنامج الجنوب العالمي بمعهد كوينسي للحوكمة المسؤولة) بأن تراجع الأحادية القطبية أدى إلى ظهور عالم تهيمن عليه ثلاث قوى عظمى: الولايات المتحدة، والصين، وروسيا بدرجة أقل، وأصبحت الظروف مواتية لظهور قوى إقليمية كبرى في السياسة الدولية: القوى المتوسطة، لديها إمكانات مادية في منطقتها؛ ومن المحتمل أن تشهد ازدهارًا ملحوظًا، مُشيرًا إلى أن دولًا مثل فرنسا والهند والبرازيل وكوريا الجنوبية قد تُدفع نحو التعاون نتيجة لتجاوزات القوى العظمى.
أما المؤرِّخ نيلز جيلمان (كبير مستشاري معهد بيرغروين) فيقدم منظورًا جديدًا للتنافس الأمريكي الصيني، مُشيرًا إلى أن النظام العالمي سيتجه بشكل متزايد نحو التركيز على «الدول النفطية» و»الدول الإلكترونية» والمنافسة بينهما، نتيجةً لعدم الاستقرار الواضح الذي فرضه تغير المناخ وعوائق الوصول إلى النفط، كالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. يرى جيلمان أن المواجهة أو التنافس ستكون بين الدول الكهرومائية والدول النفطية، حيث تبني الصين كتلة خضراء جديدة، بينما تُضاعف الولايات المتحدة استثماراتها في النفط.
خلافًا للتوقعات السائدة، ترى إيما آش فورد (باحثة أولى في برنامج «إعادة تصور الإستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة» التابع لمركز ستيمسون) ملامح علاقات عبر أطلسية جيدة في ظل الرئيس الأمريكي القادم، موضحة أن ديناميكية العلاقات عبر الأطلسي تتجه نحو منحنى جديد، حتى مع تزايد وضوح أننا لن نعود إلى الوضع الراهن لما بعد الحرب الباردة، إلا أن علاقة عبر أطلسية أفضل ممكنة تمامًا، ويمكن لأوروبا والولايات المتحدة أن تنضمان إلى تحالف أكثر قوة. فرغم أن إدارة ترامب الثانية أظهرت استخدام أساليب جيوسياسية متشددة في قضايا عدة مع أوربا، وأنه منذ نهاية الحرب الباردة ثارت شكوك حول استمرار حلف الناتو، لكن صُنَّاع القرار في واشنطن قرروا الحفاظ على حلف الناتو والوجود الأمريكي في القارة الأوربية، وفقاً للباحثة.
في خاتمة أطروحته كتب هال براندز: «النظام القديم يتلاشى: لن يُعيد إحياءه مجرد الإشادة بنظام دولي ليبرالي ومنفتح عالمياً. السؤال الحاسم الذي يجب الإجابة عليه في العقد القادم هو: هل ستسعى واشنطن إلى استبدال هذا العالم بنظام غير مستقر ولكنه مقبول، أم أنها ستزيد من حدة حالة عدم اليقين الراهنة وتؤدي إلى وضع أسوأ بكثير؟»
بشكل عام، نستخلص من أطروحات أغلب المفكرين أن المستقبل محفوف بالمخاطر، ويعتمد على السياسة الخارجية للقوى العظمى المتنافسة، إنما كما هو الحال مع كافة التوقعات، ثمة عاملان يؤثّران في المستقبل لا يمكن للتوقعات من إدراكهما. الأول هو أن المفاجآت دائماً تحصل، مما يغير مسار الأحداث التي كانت متوقعة. الثاني هو أن صُنَّاع القرار والمسؤولين وأصحاب النفوذ، عندما يتوقعون نتائج سيئة سيحاولون تجنباها بطرق شتى قد تنجح بعضها مما يجنب العالم عواقبها.

