: آخر تحديث

إيران بين المعرفة والانحياز المسبق

2
2
2

الباحث المحترف يبحث كثيراً ويكتب قليلاً ويتحدث أقلَّ من ذلك، والكاتب المشهور يتحدَّث كثيراً ويكتب قليلاً ويبحث أقل من ذلك، وهنا يكمن فرقٌ كبيرٌ بين الطرفين، الكاتب الباحث والكاتب المشهور.

أي كاتبٍ يزهّد قراءَه في البحوث الرصينة والمعرفة المتراكمة والتاريخ المعروف فابتعد عنه سريعاً لأنه يسعى للتأقلم مع حدثٍ جديدٍ بما يخدم مصالحه الشخصية، لا بما يبني وعياً حقيقياً أو رؤيةً تتحرى الصواب يطرحها للعامة، وفي كل الأحداث الكبرى والمستجدات الخطيرة يجب أن تبتعد كلياً عمّن يزهّدك في البحوث والمعرفة والتجارب، وأن تلتصق أكثر بمن يورد المعلومة الصحيحة ويبني على المعرفة الدقيقة وينطلق من الخبرة التي تعبر عن تراكم التجارب.

كتب الكثير لرصد «الثورة الإسلامية» في إيران التي تسمّت لاحقاً باسم «الجمهورية الإسلامية» وعرفت إقليمياً بـ«الخمينية»، والباحث المحترف والمحلل النبيه يكتنز ذلك كله ليخرج بتعليقاتٍ بسيطةٍ هنا وهناك للاستبصار في مشهد مختلطٍ.

الهوية الإيرانية قديمةٌ، وكتب أروند إبراهيميان في كتابه «تاريخ إيران الحديث» الصادر عن «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب» بالكويت قائلاً: «وعلى الرغم من أن الهوية الوطنية تعتبر اختراعاً حديثاً، تشير الشاهنامة إلى إيران بالاسم أكثر من ألف مرةٍ، ويمكن اعتبار هذه الملحمة تاريخاً أسطورياً للأمة الإيرانية، كما هي الحال لدى بعض شعوب الشرق الأوسط» ص15. مثل مصر.

القدرة على تحريك الجماهير تصنع الفوضى، وفي كتاب رفسنجاني «حياتي» كتب: «اضطراب الناس وهياجهم، كان محيراً وعجيباً، وكان السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي هذه القوة العظيمة؟» وهو كان يتحدث عما سمَّاه غوستاف لوبون «سلطة الجماهير» و«قوّة الخرافة» و«سيطرة الآيديولوجيا» وهي التي انطلق منها الخميني في بناء ثورته ضد الشاه.

ورث الخامنئي سلفه الخميني وعمل على استبعاد كل المفكرين المميزين والقادة الفعليين للدولة لمصلحة «الموالين» له في «الحرس الثوري» و«الباسيج»، وهكذا أفرغ النظام الإيراني من المفكرين، وكل تفكيرٍ مختلفٍ وإن كان موالياً، ليصفو له الحكم، ولهذا فبمجرد أن غادر الحكم قتيلاً في الحرب الأخيرة، بات نظامه مهلهلاً.

عبر التاريخ تتجلَّى في صورٍ مختلفةٍ، وقد ألف إحسان نراغي كتاباً مهماً عنوانه «من بلاط الشاه إلى سجون الثورة»، وذكر فيه مراراً وتكراراً حيرة الشاه تجاه مواجهة الخميني ومن معه، وتبدو الحيرة نفسها والتشتت ذاته يسيطران على من بقي من صانعي القرار الإيراني 2026.

ثلاثة كتبٍ عربية مهمةٍ في هذا السياق كُتبت عن إيران عبر عقودٍ من الزمن، أولها «مدافع آية الله» لمحمد حسنين هيكل، الصادر عام 1982 عن دار الشروق، وهو يمثل وجهة النظر العروبية الناصرية التي لا تستطيع أن ترى في إيران عدواً مع ترسخ عداوة دول الخليج العربية في وعيها، وقد جاء فيه في ص251 ما نصه: «في إحدى اللحظات الحاسمة قال الخميني: (إن بإمكانه أن يحول الخليج إلى كرةٍ من النيران، إن جرؤ أحدٌ على المساس بنا)».

كتب هيكل كتابه هذا كتعبيرٍ عن انحيازٍ مبكرٍ ضدّ الرئيس السادات وضد دول الخليج، وهو ما تبعه عليه غيره، إن داخل النظام وإن من الكتاب والمفكرين المنخرطين في خطه، وهو ما ورثه عنه رموز التيارات الإسلاموية وإن ببعدٍ أكثر تشابكاً واختلاطاً؛ حيث كتب «فهمي هويدي» الكتاب الثاني بعنوان «إيران من الداخل» الصادر عن «مركز الأهرام للترجمة والنشر» في عام 1987، وهو بطبيعة الحال منحازٌ لإيران بسبب أن فكرة الإسلام السياسي واحدةٌ وبحكم ارتباطاتٍ معروفةٍ. أما الكتاب الثالث فجاء بقلم حازم صاغية في كتابه «ثقافات الخمينية: موقفٌ من الاستشراق أم حربٌ على طيف؟» الصادر عن دار «الجديد» عام 1995، وهو تعمد في كتابه توجيه نقدٍ للخمينية ولمن سبقوه في الكتابة عن الموضوع.

أخيراً، فتش فيمن يكتبون اليوم عن هذه الحرب المعاصرة وستجد طيفاً لكل نموذجٍ من هذه النماذج.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد