: آخر تحديث

جغرافيا القلق ومضيق هرمز

4
4
4

مضيق هرمز «نقطة اختناق» للاقتصاد العالمي، تمرُّ عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز. هكذا نعرفه، لكن هل هو كذلك فقط؟ أم أن له أبعاداً أخرى خارج أطروحات الجيوبوليتيك وأسواق الطاقة وشركات التأمين والبورصات؟

لـ«هرمز» أبعاد أعمق تمتد إلى أنثروبولوجيا البحار، لكن جوهر الخليج يكمن في شيء بين الحقيقة والخيال يمكن تسميته «جغرافيا القلق»: فضاء يُنتَج فيه الخوف إعلامياً ويُعاد تداوله حتى في غياب الحرب. مجرد شائعة حول المضيق قادرة على تحريك بورصات العالم، وكأن السوق تسبق الواقع لا تتبعه.

في هذا السياق، لا تحتاج المسألة إلى حرب فعلية كي يعمل المضيق مولّداً للاضطراب. يكفي خبر عن احتكاك بحري، أو توقيف قارب، أو شائعة عن تهديد، لتتحرك الأسواق في لندن ونيويورك. ما يحدث عند أقدام الصيادين على ضفتي الخليج يمكن أن يتضخم عبر الإعلام والمال ليصير حدثاً عالمياً. هنا لا تعكس الأسواق الواقع فقط، بل تساهم في تضخيمه، فيما يحوّل الإعلام الاحتمال إلى شعور عام بالخطر. هكذا يُعاد إنتاج القلق يومياً.

كنت أميل إلى قراءة الحرب بوصفها انتقالاً من اليابسة إلى البحر، هذا الفضاء الذي نظنه هادئاً. لكن التاريخ يقول غير ذلك: البحر كان دائماً مسرحاً للحرب، ولم يكن مضيق هرمز استثناءً. منذ سيطرة البرتغال على طرق المحيط الهندي في القرن السادس عشر، مروراً بالهيمنة البريطانية، ظل المضيق نقطة تتقاطع فيها القوة العسكرية مع التجارة والاستغلال، حيث لا ينفصل الأمن عن الاقتصاد.

مع ذلك، تكشف أنثروبولوجيا البحار عن وجه آخر: البحر ليس فراغاً، بل شبكة علاقات. الهدوء لم يكن في الماء بقدر ما كان على الشاطئ، حيث نشأت علاقات تتجاوز الفرس والعرب واختلافاتهم الثقافية. كان الخليج فضاءً للصيد والتبادل، وتوثّق ذلك دراسات مثل Fishing for Faith (الصيد من أجل الإيمان)، عن علاقة الصيادين بالبحر وبالدين. غير أن هذه العوالم الهشة لا تصمد أمام الأساطيل.

لم يتغير البحر ولا موقعه، لكن تغيّر معناه: من ممر استراتيجي إلى عقدة نفسية واقتصادية في النظام العالمي، حيث يسبق توقّع الخطر وقوعه. لذلك تبدو المقاربة الجيوسياسية التقليدية، التي ترى المضيق من زاوية الدولة والسيادة، غير كافية. فهي تفترض أن البحر فراغ تتحرك فيه القوى الكبرى، بينما تراه أنثروبولوجيا البحار فضاءً لعلاقات عابرة للحدود. على ضفتي الخليج، تتداخل شبكات القرابة والعمل والتجارة اليومية بين عرب في إيران وعجم على الضفة الغربية، وصيادين يتشاركون المعرفة والرزق عبر الماء، في اقتصاد غير مرئي لكنه فعّال.

بهذا المعنى، الحرب في المضيق لا تقع في فراغ مائي، بل تمزّق شبكة حياة دقيقة. إغلاق الممر أو عسكرة مياهه لا يعني فقط تعطيل ناقلات النفط، بل قطع أرزاق الصيادين وتعطيل اقتصادات محلية قائمة على الصيد والنقل الصغير والتجارة غير الرسمية. هذه العوالم، التي تبدو هامشية في تقارير الأمن القومي، هي ما يمنح المضيق كثافته الإنسانية.

هنا يتضح مفهوم «جغرافيا القلق»: القضية ليست فيما يحدث مادياً فقط، بل في كيف يُستبطَن ويُتداوَل. الإعلام يحوّل الحوادث المحدودة إلى سرديات تهديد، والأسواق تترجم السرديات إلى أسعار، فيما تتعامل الدول مع الأسعار بوصفها مؤشرات خطر. النتيجة دائرة تغذية راجعة: القلق يولّد سياسات، والسياسات تعيد إنتاج القلق، فيتحول الإدراك إلى عامل مادي مؤثر.

خلال حرب الخليج 1990، كتب الفيلسوف الفرنسي جان بودريار أن «حرب الخليج لم تقع»، في إشارة إلى حرب تُعاش عبر الشاشات ضمن ما سمّاه «الواقع الفائق» أو الهايبر ريالتي.

هذا التحول من الجغرافيا إلى الحالة الذهنية له تكلفة معرفية. حين نرى المضيق فقط كـ«عنق زجاجة»، نسقط تاريخاً طويلاً من التبادل الثقافي والديني وحياة يومية لا تختزلها خرائط النفط. كما نهمل فاعلين صغاراً، صيادون، بحّارة، وسطاء، يلعبون دوراً في استقرار هذا الفضاء بقدر ما تفعل القوى الكبرى. تجاهل هؤلاء يعني قراءة ناقصة، وبالتالي سياسات ناقصة.

ليس المقصود إنكار البعد الاستراتيجي، بل وضعه في سياق أوسع. الأمن لا يُختزل في موازين القوة، بل يشمل استقرار المجتمعات على حواف هذا الممر. والاقتصاد لا يتحرك فقط عبر ناقلات عملاقة، بل عبر قوارب صغيرة تحمل سلعاً وعلاقات ومعاني يومية.

إذا أردنا فهم مضيق هرمز، فعلينا أن نراه مفترقاً لثلاثة عوالم: الدولة، والسوق، والمجتمع.

«جغرافيا القلق» إذًا ليست استعارة أدبية، بل محاولة لفتح عدسة الرؤية لفهم طريقة إنتاج الخطر في زمن تتداخل فيه الشاشات مع الواقع. قد لا تبدأ الشرارة بصاروخ، بل بخبر. وقد لا تكون المعركة في البحر فقط، بل على الشاشات أيضاً. وبين صياد يخرج مع الفجر ومستثمر يراقب وول ستريت، يمتد خيط غير مرئي من القلق الكوني. إننا اليوم لا نتعامل مع مضيق في الخليج، بل نتعامل مع جغرافيا جديدة اسمها جغرافيا القلق، ستنتقل عدواها بكل تأكيد إلى مناطق جغرافية أخرى من العالم تنزع عنها صفاتها الجغرافية الذهنية، وتتحول إلى فضاء الإعلام «ميدياسكيب» ومن بعدها تنتقل إلى عالم جغرافيا القلق.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد