يقول المثل الشعبي في مصر إن «أحمد زي الحاج أحمد»، والقصد أن الأمر إذا تعلّق بالاسم فالأسماء يمكن أن تتشابه رغم اختلافها، وأن الأهم هو المضمون الذي يقوم وراء الاسم أيّاً كان، وإلا، فإن لقب «الحاج» الذي يحمله الحاج أحمد لا يجعله يختلف في شيء عن أحمد. فإذا أدى اللقب إلى اختلاف في السلوك بينهما كان هناك فرق بالتأكيد.
هذا المعنى تجده أمامك وأنت تقرأ أن حزب «جبهة العمل الإسلامي» الأردني دعا إلى مؤتمره العام، وأن المؤتمر قرر تغيير الاسم الى حزب «الأمة»، وأن التغيير جاء خضوعاً لقانون الأحزاب السياسية الذي يحظر التسمية على أسس دينية.
وكما ترى، فإن هذه الخطوة من جانب الحزب تُثير أكثر من تساؤل، وترسم في الأفق أكثر من علامة استفهام، وتكاد تضع في مكان الإشكال الذي كان يواجه الحزب قبل تغيير اسمه، إشكالاً أكبر سوف نتبين حجمه مع مرور الوقت بعد قرار التغيير. فتغيير الاسم جرى قبل ساعات بالكاد، ولا يمكن الحكم على الموضوع لمجرد أن أحمد أصبح اسمه الحاج أحمد، قياساً على المثل الشعبي المصري الذي يتردد في مثل هذه الحالة.
فالفيصل الذي نفهمه من المَثَل الشائع، هو ما إذا كان سلوك الحاج أحمد في الحياة العملية سيختلف بتأثير من اللقب عن سلوك أحمد، أم أن السلوك سيظل واحداً، ولن يختلف بعد تغيير الاسم عنه قبل التغيير؟
يلفت الانتباه أن تغيير الاسم في الحزب الأردني تم بقوة القانون، لا طوعاً، وهذا في حد ذاته أمر يثير التساؤل، لأن الاصطدامات المتوالية بين الحزب والحكومة الأردنية كانت تدعوه إلى أن يجلس ليفكر في هدوء، ومن بعدها يبادر بتغيير اسمه من تلقاء نفسه، لا استجابة لقانون يحظر ويمنع. ثم كان على الحزب من بعد المبادرة بالتغيير أن يعمل على أن يكون التغيير تعبيراً عن مضمون طرأ في أفكار الحزب وفي سياساته، لا مجرد اتجاه إلى رفع لافتة من فوق مدخل مبنى الحزب، لتثبيت لافتة أخرى في مكانها.
هذه الزاوية في الموضوع تقول إن ذهاب الحزب إلى تغيير اسمه كان اضطراراً، وأنه لم يُقرر التغيير عن قناعة بأن اسم الحزب القديم يُثير الكثير من المشكلات التي لا داعي لها في العمل السياسي داخل المجتمع.
ثم إن القضية الأكبر من ذلك نجدها في الاسم الجديد، الذي يقول إن الحزب قد صار يحمل اسم حزب «الأمة» من دون أن يقال أي أمة بالضبط هي المقصودة؟
فلقد عانت مصر من ذلك مع الجماعة الأم، عندما كان قياداتها يخرجون ليتحدثوا عن الأمة الإسلامية لا عن الأمة المصرية. لم تكن قيادات كثيرة في الجماعة الأم تُخفي ذلك، وكانت تجاهر بأنها تقدم الأمة الإسلامية على الأمة المصرية، وأن الاختيار بين الاثنتين إذا كان لا بد منه، فلا بد من اختيار الأولى وتقديمها على الثانية.
ولم يكن التقديم مجرد اختيار بين اسمين، فلو كان كذلك لهان الأمر، ولكنه كان تعبيراً عن تقديم للأولى على الثانية في الولاء، وفي العمل، وفي التوجه، وفي تقديم مصلحة أمة إسلامية فضفاضة بطبيعتها، على مصلحة أمة مصرية معروف أولها من آخرها.
كنا نتكلم مع الذين يقولون بتقديم هذه على تلك في مصر، وكنا نقول إن الولاء لا بد أن يكون للوطن أولاً، وأن الولاء له لا يقلل من شأن الدين ولا ينال منه، وإنما يضع الوطن حيث يجب أن يوضع، والدين حيث يتعين أن يكون، وأن إقحام الدين في المسألة ينزل بالدين من عليائه إلى حيث الخلاف والاختلاف في قضايا السياسة وتحولاتها التي لا تتوقف.
كنا نقول هذا، وكنا نعود ونكرره، ولكن لا أحد كان يستجيب، لأن فكرة التقديم بين الاختيارين كانت ولا تزال تتلبس الذين ينتسبون إلى الجماعة الأم، ثم إلى فروعها متمثلة في الحزب في الأردن وفي غير الأردن بالضرورة، فالفرع يتأثر بالأصل لا العكس.
وأنت لا تعرف ما إذا كان القصد من وراء مسمى حزب «الأمة» في عمّان، هو الأمة الإسلامية على اتساعها، كما كانت قيادات الجماعة الأم تقول وتردد في القاهرة؟ أم أن القصد هو الأمة الأردنية التي تضم كل مَنْ يحمل الجنسية الأردنية، ويُقر بأن جنسيته تحكم ولاءه، وأن ولاءه لا يتوزع بين شيئين، وأنه ثابت ومستقر للأمة الأردنية وحدها بلا منافس؟
لا يريد أحد أن يستبق ما سوف يترتب على تغيير الاسم، ولا أقول ما أقوله على سبيل تقديم سوء النية على حُسن النية تجاه القائمين على الحزب باسميه القديم أو الجديد، ولكن الفكرة في مدى تعبير التغيير عن الجوهر في القضية، لا عن رغبة في مجاراة نصوص القانون، أو مسايرة المُشرّع فيما ذهب إليه من نصوص في القانون.
الأمة الإسلامية تمتد من أندونيسيا وماليزيا في أقصى الشرق، إلى المغرب في أقصى الغرب على شاطئ الأطلنطي، ثم إلى حيث توجد تجمعات المسلمين في أرجاء الأرض، أما الأمة الأردنية فهي قائمة هنا في أرض الشام بحدودها المعروفة، وأيضاً بقانونها ودستورها الحاكم على أرضها، وسوف يكون التغيير اسماً على مسمى إذا جرى وفق مقتضيات الثانية لا الأولى.

