: آخر تحديث

ضباب: لا أسمع.. لا أرى.. لا أتكلم !

5
5
5

ليلى أمين السيف

هذا ليس شعارا لجهاز تحكم عن بعد معطل، بل هو الفلسفة الحياتية التي يتبناها بعض الرجال الشرقيين بعد أعوام مديدة من الزواج مفترض أنها كانت سعيدة، لكن رجالنا الأعزاء يمتلكون موهبة فطرية في التحنيط العاطفي فبدلا من أن يتركوا الحب ينمو بمرور السنين يقررون فجأة إدخاله في حالة تجميد رسمي ليتحولوا هم في أرجاء البيت إلى قطع أثاث فاخرة، صامتة، باردة لا تشعر أو تتفاعل مع محيطها.

وهنا يكتفي الأزواج بالحد الأدنى من الوظائف الحيوية كأي جهاز قديم يعمل فقط لأن لا أحد قرر إطفاءه، أو لأنه جزء من ديكور المنزل الذي لا يمكن الاستغناء عنه.

هذا الكائن الأكثر إثارة للدهشة في العلاقات الطويلة: الزوج الذي كان فيما مضى يتقن الحديث ويجيد فنون الإغواء وحسن الاهتمام وبريق الحضور ثم قرر فجأة أن يعيش بنظام التشغيل الصامت.

لا خلل، لا إنذار، لا تفسير فقط تحديث مفاجئ وصل إلى دماغه مباشرة من «سيرفر» الحياة الزوجية: «تم إيقاف جميع مزايا التعبير العاطفي. شكرا لتفهمكم».

ملاحظة: هذه الميزة قد تعود للعمل في حالات الطوارئ القصوى مثل انقطاع الإنترنت أو نفاذ الطعام أو أية من المهام المنزلية الأخرى فالمرأة كائن لا يحق له التقاعد.

في البداية، تظن المرأة أن الأمر عابر. ربما هو مرهق، ربما لديه مشكلة في العمل أو ربما نسي أن يشحن بطارية «المشاعر» فالمسكينة تتحدث بشغف بينما حضرته يكتفي بهز رأسه، هذا إذا انتبه لما تقول أو يرد باختصار وكأنه يفك شفرة سرية.

تفضفض له بشوق فيبتسم بسخرية خفيفة (ابتسامة «أنا أفهمك تماما، ولكن هل يمكننا التحدث عن شيء أكثر أهمية؟») تفتح قلبها بحب يملأ المكان فيفتح هو هاتفه (للتأكد من أن العالم الخارجي لا يزال موجودا، وأن هناك أخبارا أهم من مشاعرها).

ومع الوقت تكتشف أن المسألة ليست مزاجا بل منهج حياة.

الرجل يظن أن وجوده الجسدي في منزله هو «إنجاز وطني» يستحق عليه وساما؛ فهو يرى أن مجرد احتلاله حيزا من الفراغ على الأريكة هو قمة «المشاركة الحميمية». أما التلامس عنده، فيشبه «التماس كهربائي» مفاجئ يحاول تجنبه أو كأنه يخشى أن تنتقل إليه عدوى المشاعر» فيظل محتفظا بمسافة أمان كافية تضمن له عدم التورط في أي «عناق» قد يطول لأكثر من ثانيتين. أما القرب، فهو بالنسبة له مجرد إحداثيات جغرافية؛ هو «قريب» منكِ لأن المسافة بينكما لا تتعدى المتر لكنه في الحقيقة أبعد من كوكب المريخ.

ويا ويلي لو أكملنا عن الاهتمام فهو عنده له «بطارية» ضعيفة جدا تنفد بمجرد أن تبدئي في سرد تفاصيل يومكِ. هو يتعامل مع كلماتكِ كأنها «شروط الاستخدام» التي نوافق عليها جميعا دون أن نقرأها؛ يهز رأسه بإيماءة لا تعني شيئا وعينه تلمع فقط عندما يلمح إشعارا على هاتفه.

إنه يتقن دور «المستمع الصامت» ليس حبا بل انتظارا للحظة التي يمكنه فيها إعطاء ظهره لك وإعلان انتهاء الدوام العاطفي لهذا اليوم.

هو لا يقصد الإهانة بالضرورة؛ هو فقط يتعامل مع المشاعر كما يتعامل مع إعلان طويل على اليوتيوب:

يتمنى لو يستطيع تخطيه بعد خمس ثوان أو «كتمه» في أحسن الأحوال.

معظم الرجال الشرقيون يرون أنه طالما البيت قائما والجدران صامدة فإن خراب المشاعر مجرد تفاصيل لا تستحق الإصلاح وما دام العشاء جاهزا والتلفاز يعمل كما ينبغي فلم الثرثرة؟.

كل محاولات المرأة للتقرب من زوجها وللفصح عن رغباتها واحتياجاتها غالبا ما تُصطدم بجدار السخرية وكأن بوحها مجرد «ضجيج» لا يستحق الالتفات.

وحين تفشل محاولات الزوج في السخرية من مشاعر شريكته يلجأ إلى الحل الأكثر أناقة في قاموسه والذي يُعرف بتكتيك الظهر.

ليس انسحابا بالطبع بل إدارة ذكية للطاقة فلماذا يواجه العاصفة وجها» تكتيك الظهر»

لوجه بينما يمكنه ببساطة إدارة ظهره وتركها تمر؟

إنه فن الدفاع السلبي يا سادة، فنون لا تتقنها إلا النخب القليلة من محنكي المراوغة، وفي تلك اللحظة تحديدا، يحدث ما لا يراه: هي لا تتوقف عن الكلام لأنها انتهت بل لأنها فهمت. فهمت أن هذا المكان لم يعد يتسع لمشاعرها وأن المشاعر هنا ليس مرحبا بها إلا إذا كان عن الطقس أو قائمة المشتريات أو آخر عروض السوبر ماركت. فهمت أن «جدار الصمت» الذي بناه حول نفسه أصبح منيعا.

المفارقة؟ أنه يظن أنه خفف الأمر بسخريته بينما هو في الحقيقة خفّف وجوده في قلبها.

ويظن أنه أنهى النقاش بذكاء، بينما هو أنهى رغبتها في العودة إليه مرة أخرى.

ومع الوقت يتحقق إنجازه العظيم: بيت هادئ، لا شكاوى، لا نقاشات، لا «إزعاج». فقط امرأة لم تعد تتكلم، ورجل مرتاح لأنه أخيرا حصل على ما أراد: السلام (الظاهري) والهدوء (المصطنع).

لكن ما لا يدركه: أن الصمت الذي صنعه ليس راحة. بل فراغ. فراغٌ لا يُرى، لكنه يتمدد، يأكل التفاصيل، يسحب الدفء، ويحوّل العلاقة إلى تعايش محترم بلا روح.

وهنا نعود للبداية: لا أسمع لأن أحدهم سخر كثيرا حتى فقدت الكلمات قيمتها. لا أرى لأن التجاهل المتكرر علّم الزوجات أن لا شيء يستحق الملاحظة. لا أتكلم لأن الحديث مع جدار أحيانا كان أكثر تفاعلا.

الخلاصة:

العلاقات لا تنهار لأن الرجل لا يحب بل لأنه اختار أسهل الطرق: السخرية بدل الفهم، الصمت بدل الحضور، والانسحاب بدل الاحتواء.

وفي المقابل لم تعد المرأة تطلب الكثير. فقط تعلّمت، بهدوء مؤلم، أن تعيش دون أن تتكلم، تاركة الرجل في عالمه الضبابي حيث كل شيء هادئ وميت.

إن كل ما سلف من تحليل، لم يكن إلا محاولة لتعرية الأصل لا الانشغال بالفروع؛ ففي هذا المقال لا أتوقف عند تصنيف العيوب البشرية فلستُ بصدد رصد الرجل في عناده الذي يغلق أبواب التفاهم أو بخله الذي يجفف المشاعر ولا المرأة في تسلطها أو غضبها الذي يحرق الجسور.

هذه الأنماط، برغم حضورها، تظل هوامش في نصٍّ أعمق؛ فأنا أبحث عن المتن والجوهر الغائب في مفهوم الارتباط.

أما الحقيقة التي تفرض نفسها بلا شك هي أن المرأة حين تقبل على الزواج تضع نصب عينيها هدفا ساميا وهو بناء أسرة مستقرة لتكون جزءا من كيان يمنحها الأمان والتقدير. لكن في المقابل، يختزل الكثير من رجال مجتمعنا الزواج في «واجب اجتماعي» أو تلبيةً لنداء الغرائز الفطرية وإنجاب الورثة فحسب غافلين عن أن الرجولة مسؤولية عظيمة وأن الحضور الجسدي لا يعني أبداً القيام بدور الزوج.

إنني لا أتحدث عن سلوكيات فردية بل عن المناخ الأصيل للعلاقة؛ ذاك الفضاء الذي يكون فيه الحب شرطا أوليا والتواصل لغةً حية والاهتمام رصيدا يغذي الروح قبل الجسد.

وقبل أن نحكم على الأفعال لنتساءل: هل نبحث عن سكن للأرواح أم مجرد جدرانٍ تأوي الأجساد؟

** **

- كاتبة يمنية مقيمة في السويد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد