«قَتَلَتْ أرْضٌ جَاهِلَهَا»، صدر لبيت شعر منسوب للشاعر الأموي ذي الرمة، أصبح مثلاً يُضرب به لمن يباشر أمراً لا علم له به، ويسلك طرقاً يجهلها، غير عالم بتبعات ما فعله، إنه تجسيد بليغ لأثر الجهل المدمر على من لم يُحْسن تدبير أموره. مثلٌ يُطلق على الشخص، وعلى الأمم التي ترتكب أخطاء تودي بها وبشعوبها إلى الهلاك والدمار، فتصبح كالجاهل بطبيعة الصحراء فيكون مصيره الهلاك عطشاً، لجهله بدروبها، ومواقع الماء فيها، فالمعرفة بالشيء والحنكة هما الدرع التي تحمي الإنسان من غدرات الزمان وتقلبات الميدان.
«قَتَلَتْ أرْضٌ جَاهِلَهَا»، يقال للحاكم المتهور الذي لا يعرف كيف يستثمر موارد بلده، وبسبب سوء تقديره يجوع شعبه، ويسود الجهل أمته، تتحكم فيه الغيبيات والخرافات، فالعلم بقيمة ما يملك وليس جهله هو الذي يقي الإنسان من المهالك، وبدونه سيسلك طرقاً وعرة، وسيتخذ قرارات تقضي عليه وعلى بلده.
أما نقيض مثلنا هذا فجاء في عجز البيت وفيه: «وَقَتَلَ الأَرْضَ عَالِمُهَا»، فبيت الشعر: «قَتَلَتْ أَرْضٌ جَاهِلَهَا * وَقَتَلَ الأَرْضَ عَالِمُهَا»، فيه تضاد بين الجهل في الشيء والعلم به، والذي رمز إليه بالأرض. الشطر الأول من البيت يوضح أن الإنسان الذي يجهل المسالك والدروب تبتلعه الفلاة ويهلك فيها، أما الشطر الثاني فالعالم بالأرض أو الشيء هو الذي يقتلها، أي هو الذي يذلل صعابها، ويتغلب عليها، فيقطع فيافيها بأمان لمعرفته المسبقة بمعالمها.
وهناك العديد من الأمثال والحكم العربية التي تدور حول المعنى والمراد من مثلنا، ومنها: «أهلُ مكة أدرى بشِعابِها»، و«من جهل شيئاً عاداه»، و«الخيلُ أعلمُ بفرسانِها»، و«قبل الرِّماءِ تُملأُ الكنائنُ»، والكنائن هي جعب السهام، فمن يريد القتال لابد أن يملأ كنائنه بالسهام.
كان العراق أغنى دول «أوبك»، بمياهه وزروعه ونفطه وعلمائه، وبسبب تجاهله للقوانين التي تحكم الأرض، تحول إلى دولة فاشلة مستباحة، تتحكم فيها ميليشيات ولاؤها ليس للعراق ولكن لإيران التي صدّرت له الجهل والخزعبلات، وقطعت عنه الجداول والأنهار، حتى نضبت معظم أنهاره، وتحكمت في سياساته الداخلية والخارجية، وجعلت منه أداة عدوان على الكويت.
إيران هي الأخرى، ذلك البلد الغني بموارده الهائلة التي تتمناها معظم الأمم، بلد مَلَكَ كل مقومات الرفاه وطيب العيش، لكن أرضه قتلته عندما حكمتها مجموعة ظلامية متهورة، خيمت على عقولها ثارات تاريخية عفا عليها الزمن، وعاشت شعوبها على مدى 47 عاماً من الوبال والدمار والفقر، واقتصاد منهار بسبب أحلام عودة إمبراطورية بادت ولن تعود، وبذّرَت وهَدرَتْ أموال «أرضها» محاولة تحقيق حلم جنوني، فتحول ذلك البلد إلى عبء ثقيل على شعوبه، وعلى جيرانه، وعلى العالم.
«قَتَلَتْ أرْضٌ جَاهِلَهَا»، مثل عربي بليغ يقال لمن يجهل كيف يستفيد من أرضه، ولا يعرف كيف يحافظ على ثرواتها، ولا أن يستثمر ما وهبه الله له.

