: آخر تحديث

في حرب لا رابح فيها.. ينتصر الدولار

4
6
6

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

في الحروب، عادة يتصدر المشهد الدمار والخراب، لكن تحت هذا الركام تدور معركة أخرى أكثر هدوءاً وأشد أثراً، معركة المال. وفي الحرب الحالية تبدو المفارقة قاسية، فبينما تخسر إيران أمنها الاقتصادي وتدفع إسرائيل كلفة عسكرية كبيرة ومالية مُتَصاعِدة، ويُصاب العالم بصدمة طاقة وتضخم وقلق، يخرج الدولار مرة أخرى باعتباره المُستَفيد الأكبر، لا لأنه لم يتضرر، بل لأنه بقي الملاذ الأول حين خاف الجميع.
منذ اندلاع الحرب الحالية أواخر فبراير/شباط 2026، قفزت أسعار النفط بقوة، وأشارت «رويترز» إلى أن خام برنت يتجه إلى أكبر قفزة شهرية في تاريخ استطلاعها، مع صعود بنحو 60% منذ بدء الحرب، فيما عدّ محللون هذا الارتفاع، الأشد منذ صدمة حرب الخليج عام 1990. هذا الارتفاع لم يبقَ مسألة طاقة فقط، بل تحول فوراً إلى وقود للتضخم، وتهديد للنمو، ودافع لعودة الرساميل إلى الأصول الأمريكية السائلة.
هنا تظهر القاعدة التي تكررت تاريخياً: حين يتسع الخوف، لا يبحث المستثمرون أولاً عن العدالة، بل عن السيولة، وفي النظام المالي الحالي، السيولة الكبرى لا تزال أمريكية.
لذلك ارتفع الدولار في مارس/آذار، مدفوعاً بطلب الملاذ الآمن، وأشارت «رويترز» إلى أنه كان في طريقه لأقوى مكاسبه الشهرية منذ قرابة عام. المُفارقة الأوضح أن الذهب الذي جرت العادة أن يكون نجم الحروب، لم يؤدِّ الدور التقليدي نفسه هذه المرة. فبحسب «رويترز» ورغم بعض الارتدادات اليومية، كان الذهب في مارس/آذار الماضي يتجه إلى أسوأ أداء شهري مُتأثراً بارتفاع الدولار والمخاوف من بقاء الفائدة مرتفعة نتيجة صدمة النفط. أي أن الحرب لم تدفع السوق إلى الذهب، بل دفعته إلى الدولار وسندات الخزينة الأمريكية.
جديرٌ بالذكر أن هذا ليس أثراً نفسياً عابراً، فالدولار لا يزال رغم كل الحديث عن «نهاية الهيمنة»، العمود الفقري للنظام المالي العالمي. بمعنى آخر العالم الذي ينتقد النظام المالي العالمي ويفتّش عن البديل، نجده اليوم عند الهلع لا يجد ملاذاً يُمَاثله في العمق والحجم والسرعة. فقبل اندلاع الحرب كان النظام المالي يعيش حالة شك غير مَسبوقة. كثرت الدعوات إلى تقليل الاعتماد على الدولار، وكثر الحديث عن نظام مُتَعدد العملات. لكن مع أول صدمة عسكرية، انهار الخطاب سريعاً. أظهرت تقارير من مؤسسات اقتصادية عالمية، أن الخوف لا ينتظر النظريات، بل يبحث عن الأمان.
انسحب المستثمرون من الأسواق الناشئة والأصول الخطرة واتجهوا نحو الدولار باعتباره الأكثر سيولة واستقراراً. هذا التحول ليس تفصيلاً عابراً، بل إشارة إلى أن النظام المالي لم يتغير، بل أعاد إنتاج نفسه حول الدولار. المفارقة الأكبر، أن الدول التي أشعلت الحرب.. خسرت أمام الدولار. حتى أمريكا نفسها لم تربح.
ففي كتاب «حرب الثلاثة تريليون دولار» للكاتب الاقتصادي جوزيف ستيغلتز Joseph Stiglitz، يوضح أن الحرب رغم تعزز الطلب على الدولار تفرض كُلفاً باهظة على الاقتصاد الأمريكي، وتزيد التوترات. إيران تبدو في هذا المشهد الخاسر الأكبر. كيف؟
مع ارتفاع الدولار تدفع إيران ثمناً مُضَاعفاً أمام تراجع قيمة العملة المحلية وترتفع كلفة الاستيراد. ومع العقوبات تصبح هذه التأثيرات أكثر قسوة، حيث يعتمد الاقتصاد الإيراني بشكل كبير على التعاملات غير المباشرة المرتبطة بالدولار. بمعنى آخر الحرب لا تستنزف إيران عسكرياً فقط، بل مالياً أيضاً. أما إسرائيل فهي أيضاً تدفع الثمن، فهي رغم تفوقها العسكري إلا أن اقتصادها لا يبقى في منأى عن التأثيرات، هناك كلفة التمويل، وتراجع الاستثمارات، وضغط العملة المحلية.
دول الخليج وحدها تبقى في منطقة الأمان، فمعظم دول الخليج عملتها مرتبطة بالدولار وهي في وضع مالي مُستقر. هي في حماية من تقلبات الصرف، وهذا ما يجعلها أقل عرضة للصدمات النقدية التي تضرب بقية العالم. الكويت لا تتأثر لكون عملتها قوية ومرتبطة بسلة عملات (تشمل الدولار). وهذا يوضح أنه لا توجد دول خليجية تتضرر بشكل مباشر من ارتفاع الدولار.
وهكذا يمكننا القول إن الحرب أعادت الدولار إلى عرشه، في لحظة كان يُعتَقد فيها أن النظام العالمي يقف على أعتاب تحوّل تاريخي، وأن هيمنة الدولار تتآكل تدريجياً تحت ضغط العملات الرقمية، وصعود الصين، وتزايد الدعوات إلى نظام مُتَعدد الأقطاب.
جاءت الحرب لتقلب المشهد الاقتصادي خسر المتحاربون.. وانتصر الدولار.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد