تحتوي غالبية أنواع «ملح الطعام» على مادة اليود، الذي ساعدت إضافته للملح في التغلب على مشكلة عانت منها البشرية لآلاف السنين، وقد ظهرت آثارها في غضون جيل واحد.
تبدأ قصة اليود عام 1811، عندما كان الكيميائي الفرنسي برنارد كورتوا يبحث عن طريقة جديدة لصنع نترات البوتاسيوم، العنصر الأساسي لصناعة البارود، بسبب معاناة فرنسا من نقص الأخشاب لديها، المصدر التقليدي للبوتاسيوم، الذي يستخلص من الرماد، وكان إيجاد بديل أمراً بالغ الأهمية، وفجأة بدت الأعشاب البحرية، المتوافرة بكثرة على طول ساحل نورماندي، مادة واعدة، فقام كورتوا باستخدام حمض الكبريتيك لتنظيف خزاناته، ولاحظ، بعد استخدام كمية كبيرة منها، تصاعد بخار بنفسجي من الخزانات. وعندما تكثف البخار، ترك بلورات سوداء مائلة للبنفسجي تلمع على جوانب الخزانات. عثر كورتوا، دون أن يدري، على عنصر جديد. وقد نشر اكتشافه عام 1813 في مجلة «حوليات الكيمياء»، وأطلق كورتوا على المادة الجديدة اسم «يود» iode، بـ«الفرنسية»، وتعني «بنفسجي اللون».
في غضون أشهر، قام عالمان بارزان، الكيميائيان الإنكليزي همفري ديفي والفرنسي جوزيف لويس غاي لوساك، بدراسة عينات كورتوا بشكل مستقل، وادعيا أنهما عزلا العنصر وحددا هويته. ونشأ خلاف علمي حول الأسبقية، لكنهما في النهاية نسبا الفضل في اكتشاف اليود إلى كورتوا. أُدرج اليود رسمياً في قائمة العناصر الكيميائية عام 1813، واتضحت أهميته البيولوجية.
بعد سنوات قليلة من إعلان كورتوا عن اكتشافه، وجد الطبيب السويسري جان فرنسوا كوينديه أن جرعات صغيرة من اليود قادرة على تقليص حجم تضخم الغدة الدرقية، وغالباً بشكل ملحوظ، وكان متوطناً في أجزاء كثيرة من سويسرا، ورجّح كوينديه أن العلاج الشعبي القديم باستخدام الأعشاب البحرية المجففة أو المحروقة لعلاجه قد يشير إلى أن اليود سيكون علاجًا فعالًا. وقد صدق حدسه. فاز كورتوا وكوينديه معاً بجائزة من الأكاديمية الفرنسية للعلوم عام 1831 لمساهمتهما في الطب، وتم ذلك قبل أن يدرك أحد مدى انتشار نقص اليود، ولا مدى أهميته اليود لنمو الدماغ والصحة العامة.
في الفترة نفسها تقريبًا، أثبت الطبيب ديفيد مارين من أوهايو، في دراسة رائدة، أن اليود يقلل بشكل كبير من معدلات تضخم الغدة الدرقية لدى الفتيات في سن المدرسة، إضافة إلى أنه ضروري ليس فقط للوقاية من تضخم الغدة الدرقية، بل أيضًا لإنتاج هرمونات الغدة الدرقية التي تنظم عملية التمثيل الغذائي، وتدعم وظائف القلب والجهاز الهضمي، وتلعب دورًا حاسمًا في نمو دماغ الجنين والرضيع.
فور معرفة ذلك، أصبح العالم منشغلاً في كيفية توفير اليود بتكلفة منخفضة وعلى نطاق واسع، فوجدوا في الملح، الرخيص الثمن، والواسع الانتشار، خيارًا مثاليًا. وكانت سويسرا الأولى في اعتماد «الملح المُيود» في أوائل عشرينيات القرن الماضي. وفي الولايات المتحدة، دعا طبيب الأطفال ديفيد كاوي، من جامعة ميشيغان، إلى اتباع نهج مماثل، مُجادلًا بأن تدعيم ملح الطعام باليود يُمكن أن يقضي على تضخم الغدة الدرقية البسيط (الناجم عن نقص اليود) على مستوى البلاد. وقد تكللت جهوده بالنجاح: ظهر الملح المُيود في متاجر ميشيغان في الأول من مايو عام 1924. وقد حدثت بعض الانتكاسات، بما في ذلك تفشي فرط نشاط الغدة الدرقية الناجم عن نقص اليود بين البالغين الذين يُعانون من تضخم الغدة الدرقية العقدي المزمن، إلا أن الفوائد كانت هائلة. وفي غضون جيل واحد، انخفضت معدلات الإصابة بتضخم الغدة الدرقية بشكل حاد في جميع المناطق التي كانت تُعاني من نقص اليود، ومع ذلك، لا يزال ما يُقدّر بنحو مليارَي شخص حول العالم يعانون من نقص اليود.
أحمد الصراف

