: آخر تحديث

الدبلوماسية العامة.. خط الدفاع الأول في معادلة الأمن القومي

2
2
3

خلال جلسة استماع عقدتها لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي؛ لمناقشة دور الدبلوماسية العامة في تعزيز الأمن القومي، قدّمت سارة روجرز، وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للدبلوماسية العامة والشؤون العامة، شهادة عكست بوضوح التحول العميق في فهم مفهوم الأمن. وقدمت الدبلوماسية العامة ليس بوصفها أداة لتحسين الصورة، بل باعتبارها جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن القومي، يُدار على مستوى إستراتيجي، ويُسخّر لخدمة المصالح العليا للدولة، في إطار رؤية متكاملة، باتت تشكّل إحدى ركائز التفكير الإستراتيجي لدى القوى الكبرى.

وأوضحت روجرز أن الولايات المتحدة توظف منظومة متكاملة من الأدوات، تبدأ بالبث الإعلامي الدولي، وتمر ببرامج التبادل الثقافي والتعليمي، وصولًا إلى التواصل الرقمي وبناء الشراكات العابرة للحدود، بهدف تعزيز حضورها الدولي وترسيخ الثقة مع الشعوب.. وأكدت أن هذه الأدوات لا تعمل بمعزل عن الأمن القومي، بل تمثّل امتدادًا مباشرًا له، من خلال إسهامها في خلق بيئة دولية أكثر تقبّلًا للسياسات الأمريكية، وأقل عرضة للتأثر بحملات التضليل.

ويكشف هذا الطرح عن إدراك متقدم لطبيعة التهديدات المعاصرة، التي لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معلوماتية وإدراكية بالدرجة الأولى. فالروايات المضللة، إذا تُركت دون مواجهة، قادرة على تقويض الثقة، وإضعاف التحالفات، وخلق بيئات معادية دون إطلاق رصاصة واحدة. ومن هنا، تبرز الدبلوماسية العامة كخط دفاع استباقي، عبر الانخراط الفاعل والمستمر مع المجتمعات الدولية، وتقديم رواية موثوقة ومقنعة.

إن تخصيص جلسة استماع في الكونغرس بهذا المستوى من التركيز على الدبلوماسية العامة؛ يعكس بوضوح حجم الاستثمار المؤسسي الذي توليه الولايات المتحدة لهذا المجال. فالأمر لا يتعلق بأنشطة هامشية متفرقة، بل بمنظومة متكاملة تُدار بفكر استراتيجي أمني، وتُربط مباشرةً بأهداف السياسة الخارجية والاستقرار الدولي.

بالنسبة للمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، تكتسب هذه التجربة أهمية مضاعفة في ظل بيئة إقليمية معقَّدة، وتنافس دولي محتدم، وتسارع غير مسبوق في تدفق المعلومات. وبالنظر لما حققته المملكة خلال السنوات الأخيرة من حضور دولي لافت على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، فإن استدامة هذا الحضور وتعظيم أثره؛ يتطلبان تبني مقاربة أكثر تكاملًا للدبلوماسية العامة، تُدار ضمن إطار مؤسسي متناغم، وتُربط بشكل مباشر بأهداف الأمن القومي.

هذه الجهود المتكاملة والمتناغمة لم تعد خيارًا تكميليًا، بل ضرورة استراتيجية، فالدول التي لا تبادر إلى تعريف نفسها بنفسها بمهارةٍ واحترافية، تترك المجال لغيرها لرسم صورتها، غالبًا بشكلٍ لا يخدم مصالحها.

خلاصة القول، إن الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُختزل في القوة الصلبة، بل أصبح معادلة مركّبة تتداخل فيها أدوات التأثير والإقناع مع أدوات الردع التقليدية. وفي هذا السياق، تبرز الدبلوماسية العامة ليس كخيار إضافي، بل كخط دفاع أساسي، وأحد أهم شروط تحقيق الأمن والاستقرار في عالم شديد التعقيد والتنافس.

وانطلاقًا من هذه الأهمية، قد يكون من المناسب النظر في تخصيص «جلسات استماع» مماثلة على المستوى الوطني (تحت قبة مجلس الشورى مثلا)، تُعنى بمناقشة دور الدبلوماسية العامة السعودية، وتعزيز تكاملها مع منظومة الأمن الوطني، بما يواكب التحولات الدولية والتداعيات الراهنة، ويعزز من قدرة المملكة على حماية مصالحها، وترسيخ مكانتها العالمية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد