لم تحظ الفنون في المملكة العربية السعودية سابقًا بمنظومة أكاديمية منظمة أو دعم احترافي كافٍ، فخسرنا جزءًا من المواهب إمّا باتجاه مجالات أخرى، أو خارج السوق المحلي، فالمشكلة ليست في نقصِ في الإمكانيات بقدر ما كانت في غياب المنظومة التي تربط بين التعليم والإنتاج والسوق، وهو ما أدى إلى فجوة واضحة بين الإمكانيّات المتاحة والنتائج الفعلية، ففي دولة كالسعودية لابد من وجود حاضنة تحول كل ذلك إلى صناعة محترفة، ولذلك جاء الأمر الملكي الكريم بتأسيس جامعة الرياض للفنون ككيان متكامل لإعادة تشكيل مفهوم التعليم الفني، وتحويله إلى قطاع قائم على معايير أكاديمية ومهنية حديثة، ويتكامل مع مشاريع ثقافية كبرى مثل مواسم الترفيه والمعارض الثقافية وصناعة السينما المحلية، التي تعكس الطلب المتزايد على الكفاءات الفنية المؤهلة. يُعقد الأمل بجامعة الرياض للفنون أن تؤسس مرحلة جديدة في الحراك الثقافي السعودي، وتساهم في تعزيز حضور المملكة إقليميًا وعالميًا كمركز ثقافي مؤثر، مواكبةً قفزات المملكة السياحية والفنية الأخرى، فبعد أن كنا نعتمد على الاجتهادات الفردية، أصبحنا اليوم نتجه نحو التأطير المؤسسي والتخصص الأكاديمي، وهو سيساهم بلا شك بتوليد الوظائف وتطوير الأعمال والقطاعات المرتبطة بها، حيث تشير التقديرات إلى نمو الوظائف الثقافية بنسبة سنوية تصل إلى 7%، مع إمكانية تجاوزها 346 ألف وظيفة بحلول عام 2030، إلا أن تحقيق هذه الأرقام يظل مرهونًا بوجود مؤسسات تعليمية قادرة على تزويد السوق بكفاءات متخصصة، وهو الدور الذي يُنتظر من جامعة الرياض للفنون أن تقوم به، وتأسيسها يعكس إدراكًا عميقًا بأن الصناعات الثقافية والفنية هي قيمة اقتصادية مستدامة حان وقت استغلالها. جامعة الرياض للفنون ستكون مؤسسة تعليمية تتجاوز العمل التقليدي من خلال برامج تعليمية متخصصة، وشراكات أكاديمية دولية مع جامعات ومعاهد فنية رائدة، تسهم في نقل المعرفة وتبادل الخبرات، وبناء مناهج ومسارات تدريب عملي مرتبطة بالسوق، وهو ما تتطلبه مرحلة تنامي أهمية الاقتصاد الإبداعي عالميًا، حيث أصبح أحد محركات النمو ورافدًا مهمًا لفرص العمل والاستثمار في العديد من الدول، فعلى سبيل المثال بدأت كوريا الجنوبية منذ التسعينات بالاستثمار في التعليم الثقافي ودعم الصناعات الإبداعية، فأصبحت من أبرز مصدري المحتوى الثقافي عالميًا، وأيضًا ما قامت به بريطانيا من ربط التعليم الفني بالصناعات الإبداعية من خلال شراكات مؤسسية وبرامج تدريبية، مما أسهم في جعل قطاعها الإبداعي أحد أسرع القطاعات نموً ومساهمة في الناتج المحلي.
ومن هذا المنطلق يمكننا بناء جيل جديد من المبدعين القادرين على المنافسة عالميًا، مع الحفاظ على الهوية الثقافية المحلية، لنصنع نموذجنا الخاص في الإنتاج الثقافي، المستند إلى هويتنا المحلية والقابل للمنافسة عالميًا، ونبني كفاءات وطنية قادرة على إنتاج محتوى ثقافي عالي الجودة، يعزز المحتوى المحلي ويحوله إلى منتج اقتصادي قابل للتسويق اقليميًا ودوليًا.
نعم لدينا فجوة، وتطوير رأس المال الإبداعي سيستغرق بعض الوقت، ولكنها خطوة أولى جبارة تجعل تأسيس جامعة الرياض للفنون قرارًا استراتيجيًا مهمًا في مسار التحول الثقافي والاقتصادي للمملكة، سيُخرج لنا كوادر مؤهلة، ويخلق الوظائف، ويبني نموذجًا طموحًا لكيفية تحويل الإبداع إلى قوة إنتاجية، تدعم الاقتصاد الابداعي، وتعكس الهوية، بما يعزز مكانة المملكة كمنتج ثقافي ذو عوائد كبيرة، لا كمستهلك فقط.

