ناهد الأغا
على أرض الميادين في الدرعية، قلب الرياض النابض بالتاريخ، يحتضن مهرجان الفنون التقليدية تراث المملكة الأصيل في احتفاء به، حيث تتجسد الفنون السعودية في أبهى صورها، لتشكل تجربة حية تمتزج فيها العروض الأدائية بعذوبة الأمسيات الشعرية ونبض الإيقاعات.
يقدم المهرجان لمحة معمقة عن الإرث العريق، ويعزز مكانة الفنون الشعبية كنبع متدفق يغذي الحاضر ويلهم المستقبل..
وتأتي أهميته في كونه جسراً بين الماضي والحاضر، يعيد صياغة العلاقة مع الهوية، مؤكدًا أن الأصالة ركيزة للتطور؛ فهو احتفاء بالتنوع الثقافي، ومنصة لاكتشاف المواهب عبر ورش تعلم الفنون، كما يعزز الهوية بوصفها منظومة قيم، ويرسخ الإبداع والتميز، ويدعم المشاركة المجتمعية بفضاءات تفاعلية مفتوحة.
ويكتسب المهرجان بُعدًا استراتيجيًا باندماجه مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، ضمن جهود وزارة الثقافة لتعزيز الحراك الثقافي وإثراء المشهد الوطني بفعاليات نوعية تسهم في تحسين جودة الحياة.
حينما زرت هذا المهرجان وقفتُ للحظات أتأمل المكان: أرض عريقة تحتضن هذا الصرح ،لم أكن أعلم أنني سأقضي ساعات طويلة، وأن كل خطوة ستأخذني إلى دهشة جديدة، دهشة الاحتفاء بالتنوع الثقافي.
في الساحات، تتحول العروض إلى مساحات حية للتفاعل والإبداع؛ ففن المحاورة، القائم على الارتجال الشعري والذكاء الحضاري، يأخذنا إلى مشهد ثقافي راقٍ، حيث يتنافس الشعراء في تناغم مع إيقاع متقن يجعل من الكلمة جسراً بين الروح والجمهور.
وعلى مسرح أمسيات الشعر النبطي، تقام احتفائية بالكلمة بوصفها جوهر الفنون الأدائية ،إنها ذاكرة حية لتفاصيل الحياة في الجزيرة العربية، حيث تُصغي القلوب إلى قصائد تعود بجذورها إلى عمق الصحراء، فتُدرك أن الأصالة عمق يمنح الانطلاق ثقة واتزانا.
وفي حكاية البحر تُستحضر الأهازيج التي كانت يومًا لغة الأمل والتحدي على سواحل المملكة، لتؤكد أن الفنون التقليدية قادرة على خلق دهشة ثقافية حين تُقدم بإبداع معاصر يحترم جوهرها، أما المعرض الثقافي، فيتحول إلى رحلة معرفية تتحدث فيها الآلات الموسيقية والأزياء والأدوات بلغة البصر واللمس، فيما تروي جدارية الشعر النبطي تطور هذا الفن عبر الزمن، وتأتي ورش تعلم الفنون لتحول المتلقي من مشاهد إلى مشارك، يتعلم الأساسيات بأسلوب مبسط، فيدرك أن هذه الإبداعات كانت يوماً وسيلة الإنسان للتعبير عن فرحه وحزنه.
ولا يكتمل هذا المشهد إلا بالتجول في منطقة المتاجر تلك الفضاءات التي تُعنى بتقديم أزياء تراثية وما يرافقها من إكسسوارات تحمل بصمة الهوية، مساحة تلتقي فيها الحرفية بالجمال، لتمنح الزائر فرصة اقتناء قطعة من التراث.
إنه مهرجان يؤسس لنموذج ثقافي فريد، وشاهد على أن المجتمعات القوية هي التي تستطيع أن تحمل تراثها بثقة إلى المستقبل
خلف كل مشهد ثقافي بهي، تقف وزارة الثقافة بقيادة حكيمة ورؤية متكاملة، تجعل من المهرجان لحظة ثقافية لا تنتهي بانتهاء العرض، بل تمتد في الذاكرة، وتتحول إلى شغف يدفع الزائر ليعود في كل عام.
في هذا الوطن، التراث يسير مع الأجيال، يكبر في قلوبهم، ويتجدد في عيونهم، ويتحول إلى طاقة تصنع الغد، كأن الحياة اختارت أن تسكن تفاصيله، وتمنحه وعد الاستمرار؛ فيغدو الماضي جناحاً والحاضر نبضاً والمستقبل أفقاً مفتوحاً على مجد يتجدد كل يوم.

