يخطئ من يظن أن تغريدة عابرة أو رسالة في وسائل التواصل الاجتماعي ذات محتوى غاضب تمس فئة من المجتمع، رداً على حدث معين، هي مجرد «رأي»، لأن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
الكلمة التي تُكتب في لحظة حرجة وغير عادية في أي مجتمع، قد تبقى في الذاكرة لسنوات، وتتحول لشعور غاضب يحمل في ثناياه أموراً غير حميدة.
من السهل جداً أن تثير تغريدة غاضبة، ضاعت منها أصول الرأي والانتقاد، شعوراً بغرس بذرة كراهية تنمو بصمت، لأن الفتنة لا تبدأ بضجيج، بل تبدأ بهمسة، ثم تنطلق بعدها بكل قوة ويتسع صداها في أرجاء واسعة.
أخطر ما في أي خطاب طائفي بأي شكل من الأشكال، وبأي وسيلة كانت، أنه لا يكون فقط إبداء رأي، بل يصنع «حدوداً نفسية» بين أبناء المجتمع الواحد، ليتحول الخطاب بعدها الى هذا «معنا»، وهذا «ضدنا».
ومع الوقت، تتحول الحدود المفتوحة إلى جدران، ثم إلى قطيعة، وقد يصل الوضع بعدها «لا سمح الله» إلى صراع.
تفتيت المجتمعات لا يحتاج إلى جيوش، بل يكفي صوتٌ مشحون بالكراهية، أو عبارةٌ تُزرع بعناية في لحظة انفعال، لتبدأ بعدها رحلة الانقسام.
وهنا يبرز دور الدولة بالحماية، لأن تدخلها في هذا التوقيت بقوة ضد هذا النوع من الخطاب، يعتبر حماية للمجتمع من الانهيار.
بغض النظر عن الأمراض الطائفية، وإخماد شراراتها من قبل السلطة والجهة المعنية فوراً وفي مهدها، يحول دون تحول الحرية إلى منصة لنشر الكراهية. وهنا يبرز دور القانون، فأحكامه ضد نشر الطائفية، تؤكد أن القانون ليس مجرد عقوبة، بل رسالة واضحة:
«كرامة المجتمع ووحدته ليستا مجالًا للعبث».
نعم، القنابل والسلاح والصواريخ تدمر المدن، أما الفتنة فتدمر القلوب وتدمر المحبة والولاء والاحتواء.
السلاح يُسمع صوته وينتهي أثره، أما الفتنة فتعمل في صمت، وتبقى آثارها عالقة في النفوس، وتنتقل من جيل إلى جيل، إذا لم تُستأصل في مهدها.
لو سأل كل واحد منا نفسه قبل أن يكتب رأيه، هل ما سأقوله سيجمع أم يفرق؟ وهل الكلمات التي سأكتبها ستبني ثقة أم تزرع شكًا؟ والأهم من كل ذلك، هل ما أكتبه رأي أم تحريض؟
في ظل ما نعيشه اليوم، نحن نعيش معركة وعي قبل أن تكون قانوناً، لأن مواجهة الفتنة ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل هي معركة وعي جماعي.
المجتمع الذي يُدرك خطورة الكلمة، لا يحتاج إلى رقابة صارمة، لأنه يراقب نفسه بنفسه، ولكن بعض المجتمعات، وللأسف، تحتاج الى رقابة، ورقابة صارمة، خاصة في الفترات والمراحل الحساسة.
إثارة النعرات الطائفية أو القبلية أو الفئوية، وخطابات التحريض، من شأنها تقويض الثقة بين أبناء الوطن الواحد، وتعمل على زعزعة السلم الأهلي.
تؤكد الجهات المعنية عندنا استمرارها في اتخاذ كل الإجراءات القانونية الرادعة بحق كل من يثبت تورطه في نشر أو ترويج خطاب الفتنة والكراهية عبر أي وسيلة كانت، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك في إطار مسؤوليتها عن حماية المجتمع والحفاظ على أمنه واستقراره.
ما يدعونا للفخر بالكويت، أن الجهات المختصة دعت وتدعو جميع أفراد المجتمع إلى التحلي بروح المسؤولية الوطنية، والالتزام بالقيم الأخلاقية في الخطاب العام، وتعزيز لغة الحوار البناء، بما يسهم في ترسيخ أواصر المحبة والتلاحم بين مختلف مكونات المجتمع.
هذا الحكم، هو جرس يُقرع بين فترة وأخرى، ليؤكد للجميع أن الكلمة التي تُشعل... لا تُنسى.
إقبال الأحمد

