يقول الخُرَيمِيّ:
أُضَاحِكُ ضَيفِيَ قَـبْلَ إِنزَالِ رَحْلِهِ
وَيُخصِبُ عِنْدِي وَالمَحَلُّ جَدِيبُ
وَمَا الخِصْبُ لِلأَضْيَافِ أَنْ يَكْثُرَ القِرَى
وَلَكِنَّمَا وَجْهُ الكَرِيمِ خَصِيبُ
هَذانِ بَيتَانِ مِنْ أجملِ مَا قِيلَ فِي إكْرَامِ الضَّيْف.
وفيهما يصفُ الشاعرُ كيفَ يبدأ بجعلِ ضيفِه يأنَسُ بِالمَكانِ وَأهلِه، منْ خلالِ مضاحكتِهِ ضيفَه، فِي توقيتٍ مُبَكِّرٍ جدّاً، وتحديداً؛ قبلَ إنزالِ أمتعةِ الضَّيفِ منْ علَى دابَّتِه. وَالمعروفُ أنَّ إنزالَ الرَّحل، يكون أولَ ما يفعلُ صاحبُ الرَّحلِ، إذَا توقَّفَ عن سيرِه، للرَّاحةِ أو للتَّزوّدِ بِالطَّعامِ وغيره.
(رَحْل): سَرْجٌ يوضعُ علَى ظهرِ الدّوابّ للحَمْل أو الرّكوب (مثلَ الجيادِ والنُّوقِ والبِغالِ ومَا إلى ذلك)- ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾». أو أمتعة المسافرِ وكلّ شيء يعدّ للسَّفر «جمعَ رِحالَه استعدادًا للسفر- َلاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى [حديث]» ° ألقى رحْلَه/ ألقى رِحالَه: أقامَ- حطَّ رَحْلَه/ حطَّ رِحالَه: أقام، استقرَّ- شَدَّ رَحْلَه/ شَدَّ رِحالَه: استعدَّ للسَّفر. *(معجم اللغة العربية المعاصرة): (رح ل).
وقولُه: (أُضَاحِكُ)، دلالةٌ على أنَّه يبدأ الضيفَ بالمُضَاحَكَةِ، وعلى أنَّ هذه المُضاحكةَ ليست مرةً يتيمةً بل مُتَعَدِدَة، إذْ لم يَقُلْ: (أضحكُ معه).
(يُخْصِبُ): الخِصْبُ: نَقِيضُ الجَدْبِ، وَهُوَ كَثرةُ العُشْبِ، ورفَاغةُ العَيْشِ (سعتُه)... وَرَجُلٌ خَصِيبٌ: بَيِّنُ الخِصْبِ، رَحْبُ الجَنَابِ، كَثِيرُ الخَيرِ. *(لسان العرب)، لابنِ منظور.
وأرادَ بقولِه عن ضيفِه: (يُخْصِبُ عِنْدِي)، أَي أَنَّ الضَّيفَ يُصبحُ عِندي رَحْبَ الجَنَابِ، كَثِيرَ الخَيرِ، وذلك بسببِ ارتياحِه، واستمتاعِه، بمقامِه عندَه.
والضَّيفُ يخصبُ عندِي بما أُوَفِّرُ لهُ من أجواء راحةٍ ومُتعة، رُغمَ واقعِ أَنَّ المَحلَّ جَديب.
(جَدِيبٌ): بَيِّنُ الجُدُوْبَةِ، يَابِسٌ لا أَثَرَ لماءٍ ولا لخضرةٍ فيه.
لقدْ صنعَ لضيفِه أجواء خاصةً، جعلتْه يعيشُ حياةً خصبة، وسطَ واقعٍ مُجدِبٍ في الحَقيقة.
وبعدَ بيانِ الشَّاعر صفةَ ضيافتِه، يذهبُ فِي البيتِ الثَّاني لبيانِ المعانِي الحقيقيَّةِ منْ وجهةِ نظرِه، مقدّماً تعريفاتِه فِي هذَا الشَّأن.
يقولُ:
وَمَا الخِصْبُ لِلأَضْيَافِ أَنْ يَكْثُرَ القِرَى
وَلَكِنَّمَا وَجْهُ الكَرِيمِ خَصِيبُ
إنَّ الخِصْبَ الحقيقيَّ لضيفِكَ ليسَ كثرةَ المَوائدِ، وصنوفِ الأطعمةِ المقدَّمةِ لَه، بل هوَ الإقبالُ عليهِ بوجهٍ بشُوشٍ، ونفسٍ سَمحَةٍ، وتبسّم استضافة، وهذَا هو خصبُ وجهِ المُضٍيف الكَريم.
كَتبَ أحمدُ البابطين، تحتَ عُنوان: (الخِصْب والجَدْب)، فقالَ:
«وَمرادفَاتُ الخِصْب في البيتينِ عندَ من يقولُ بالتَّرادفِ هي: الرَّخاءُ، والرّفاهيةُ، والتَّنعّمُ، وَالخيرُ، والنِّعْمة، والرغَد، والبَحبوحةُ، والتَّرفُ، وَالبركةُ، والدَّعةُ، والنَّماءُ، والسَّعة، والغزارةُ، والغَدَفُ. وَمرادفات الجَدْب: القَحْطُ، والمَحْلُ واليَبَسُ، والقَفْر، والقَحَل، والأَزَمة، والبؤس، والجَفاف، والسَّنَة، والشَّظَفُ، والشَّدةُ، والمَجاعةُ، وغيرُ ذلك من تصاريفِ الجذور». *(الاقتصادية).
الخُرَيْمِي:
والأرجحُ أنَّ الأبياتَ للشَّاعِر العَبَّاسِي، أبُو يعقوبَ الخريمِي، واسمُه: إسحاقُ بنُ حسان بن قُوهي. خرسَانيُّ الأصْل. قالُوا: كانَ مولَى عثمانَ بن خريم، الذي يُقَالُ لأبيهِ: خريمُ النَّاعِم.
وهو شَاعِرٌ مَطْبُوعٌ مُتْقِنٌ، مَدَحَ الخلفاءَ والوزراءَ والأشرَاف. عاشَ بالجزيرةِ والشَّام، ثم انتقلَ إلى بغدادَ، وصارَ في شعراءِ الرَّشيد، وقصدَ المأمونَ وانحازَ إليه في صِراعِه مع الأَمِين.
عَمِيَ أبو يعقوبَ الخريمي بعدمَا أَسَنَّ، وَكَانَ قبلَها أعورَ.
تُوُفّيَ سنةَ 214هـ(839م).

