: آخر تحديث

حين تختار رؤوس الأموال الاستقرار

4
4
3

امتدادًا لما كتبناه عن دافوس بوصفه "ساحة الثقة" قبل أن يكون ساحة الخطاب، فإن السؤال الأهم الذي يسبق كل مؤتمر عالمي هو سؤال الأسواق نفسها: حين ترتفع الضوضاء، أين تتجه الأموال؟ وحين تتقلب المؤشرات، ما الذي تعتبره رؤوس الأموال "ملاذًا"؟

في الأسابيع الأخيرة رأينا نموذجًا حيًا لمعنى القلق العالمي: موجات تذبذب حادة في الأسواق، وتحوّلات سريعة بين المخاطرة والتحوّط، وعودة الذهب إلى الواجهة كأداة حماية، وتقلّبات في الأصول عالية المخاطر، بالتزامن مع ارتفاع حساسية النفط لأي خبر جيوسياسي. هذا المشهد ليس تفصيلًا عابرًا؛ إنه دليل على أن "سعر الخوف" صار جزءًا من تسعير كل شيء، من الطاقة إلى العملات إلى الأسهم.

لكن المستثمر العالمي "خصوصًا المؤسسي" لا يهرب لمجرد الهروب. هو يتجه نحو الاستقرار لسبب عقلاني واضح: لأن المال يكره المفاجآت أكثر مما يكره الخسارة. في فترات عدم اليقين، تصبح الأولوية ليست "أين أربح أكثر؟" بل "أين أتفادى الصدمات؟" لذلك تعود قواعد الملاذات إلى ثلاثة مفاتيح ثابتة: وضوح السياسة الاقتصادية، قوة الاحتياطي/القدرة على امتصاص الصدمات، وسلاسة القواعد التنظيمية التي تحمي الملكية وتقلل المخاطر القانونية والتنفيذية.

ولهنا يأتي السؤال الذي يهم القارئ: إذا كان العالم يبحث عن الملاذ، فأين تظهر السعودية في هذه الخريطة؟

السعودية لا تُقدَّم كملاذ بالمعنى التقليدي الذي ارتبط تاريخيًا بعملات محددة أو سندات دول بعينها، لكنها تبرز كـملاذ استثماري "مؤسسي" داخل عالم مضطرب: ملاذ يقوم على مزيج من الملاءة المالية، وثبات الإطار النقدي، وتسارع الإصلاحات السوقية.

أول عناصر هذه الصورة هو قوة المصدّات المالية. صندوق النقد الدولي، في بيان ختام بعثة المادة الرابعة لعام 2025، أشار إلى استقرار صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي السعودي (ساما) عند نحو 415 مليار دولار بنهاية 2024، مع تغطية تعادل 15 شهرًا من الواردات وارتفاع نسبة المقاييس المتعلقة بكفاية الاحتياطي. هذه ليست لغة عاطفة؛ هذه لغة قدرة دولة على حماية استقرارها النقدي والمالي في فترات الضغط.

وثاني العناصر هو الاطمئنان الائتماني. حين تؤكد جهة تصنيف عالمية مثل "فيتش" تصنيف المملكة عند A+ مع نظرة مستقرة، فالمعنى الاستثماري المباشر ليس "مدحًا"، بل رسالة فنية للسوق تقول: هناك ثقة في قوة الميزانية والقدرة على الوفاء بالالتزامات ضمن سيناريوهات متعددة. وقد نُشر تأكيد "فيتش" رسميًا عبر وزارة المالية بتاريخ 17 يناير 2026، متضمنًا إشارات إلى قوة الأصول الأجنبية السيادية ووجود هوامش مالية داعمة للإصلاحات.

وبالمنطق نفسه، توثيق "موديز" لرؤية مستقرة لتقييمها الائتماني للسعودية (وفق جهة الدين وإدارة المركز الوطني لإدارة الدين) يضيف طبقة أخرى من الاطمئنان المؤسسي للمستثمر طويل الأجل.

أما العنصر الثالث، وهو الذي يفهمه المستثمرون بسرعة، فهو قابلية الدخول والخروج من السوق بوضوح تنظيمي. السوق لا تكون "ملاذًا" إذا كانت مغلقة أو معقّدة. ولهذا كان إعلان هيئة السوق المالية (CMA) فتح السوق لجميع فئات المستثمرين الأجانب اعتبارًا من 1 فبراير 2026 نقطة مفصلية: إذ أُلغيت فكرة "المستثمر الأجنبي المؤهل (QFI)" في السوق الرئيسية، وأتيح الاستثمار المباشر على نطاق أوسع، مع إلغاء إطار اتفاقيات المبادلة الذي كان يُستخدم للوصول غير المباشر.

هذه ليست خطوة تقنية فحسب؛ إنها رسالة ثقة: السوق التي تفتح نفسها للعالم تقول ضمنًا إنها مطمئنة إلى نضج بنيتها الرقابية وإفصاحها وقدرتها على استيعاب تدفقات رأسمالية متنوعة.

ويبقى سؤال "السياسة الاقتصادية الهادئة" الذي طلبتِ ربطه بثقة السوق: كيف تُترجم الهدوء إلى أرقام وإشارات يفهمها المستثمر؟

الهدوء هنا ليس صمتًا؛ هو اتساق. المستثمر يقيس الاتساق في ثلاث نقاط:

هل السياسة النقدية لها مرساة واضحة؟ (مثل ثبات إطار سعر الصرف وتوفر أدوات الاستقرار) وساما كانت قد أكدت في بيانات رسمية التزامها بربط الريال بالدولار عند السعر الرسمي كمرساة للاستقرار النقدي والمالي.

هل توجد مصدّات تمويلية وقت الأزمات؟ (احتياطي/أصول/قدرة على تمويل العجز عند الحاجة) وهذا ما عكسه تقييم صندوق النقد لصافي الأصول الأجنبية وكفاية الاحتياطي.

هل الإصلاحات تُنفذ بلا ارتباك قانوني؟ (قواعد ملكية، فتح السوق، تنظيم الاستثمارات) وهو ما تجسد عمليًا في تحديثات سوق المال الأخيرة.

لكن حتى يكون المقال أمينًا ومفيدًا، يجب أن نقول أيضًا: "الملاذ" ليس حصانة مطلقة. هناك دائمًا مخاطر يقرؤها المستثمر بواقعية، مثل حساسية المنطقة لأي توتر جيوسياسي، وتأثير دورات السلع (خصوصًا النفط) على المزاج العام للأسواق. وهذا يظهر بوضوح في تذبذب النفط حين ترتفع المخاوف من تعطل الإمدادات، وفي عودة الذهب كأداة تحوّط عند تصاعد الضبابية.

بل وحتى داخل النظام المصرفي، تُناقش الأسواق مسائل السيولة وديناميكيات التمويل، كما تناولت تقارير دولية اتجاهات تمويل البنوك السعودية خارجيًا في 2025 في ظل نمو الائتمان وتسارع مشاريع التحول.

ذكر هذه النقطة ليس انتقاصًا؛ بل تعزيز للمصداقية: الملاذ الحقيقي ليس "غياب التحديات"، بل وجود مؤسسات وسياسات تستطيع إدارة التحديات دون أن تنكسر الثقة.

وهنا جوهر الرسالة للقارئ: أين الملاذ؟

الملاذ ليس مكانًا جغرافيًا فقط، بل "منظومة" تتوافر فيها ثلاثة أشياء: الاستقرار المؤسسي، القدرة على امتصاص الصدمات، وسوق تتسع للمال العالمي بقواعد واضحة. السعودية اليوم، بوزنها الاقتصادي، ومصداتها المالية التي تشير إليها المؤسسات الدولية، وتأكيدات التصنيف الائتماني، وتحديثات فتح السوق أمام المستثمر الأجنبي، تقدم نفسها كبيئة قادرة على تحويل سؤال "الخوف" إلى سؤال "فرصة محسوبة".

وفي الختام: حين تختار رؤوس الأموال الاستقرار، فهي لا تبحث عن الخطابات، بل عن دولة يمكن التنبؤ بسلوكها الاقتصادي، وتثق في مؤسساتها، وتقرأ مستقبلها بثبات. وفي زمن يميل فيه العالم إلى القلق، يصبح الهدوء الاقتصادي قيمة نادرة.. والملاذ ليس شعارًا يُقال، بل ثقة تُبنى وتُثبت يومًا بعد يوم.

تلك هي عظمة المملكة العربية السعودية… حين يكون الاستقرار قرارًا، لا صدفة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد