: آخر تحديث

مبدأ «دونرو»!

5
5
5

عماد الدين حسين

كيف يمكن فهم وتفسير الهجوم الأمريكي على فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو (الأسبوع الماضي) وترحيله إلى الولايات المتحدة ومحاكمته في نيويورك بتهم تمويل الإرهاب والاتجار في المخدرات؟ بالطبع هناك عشرات التفسيرات التي تحدث عنها العديد من المراقبين والمحللين، وتنوّعت ما بين رغبة الولايات المتحدة في إبعاد روسيا والصين وإيران عن أمريكا اللاتينية، مروراً باتهام مادورو ونظامه بتهريب المخدرات إلى أمريكا نهاية بالسيطرة على الموارد الطبيعية في فنزويلا، خصوصاً البترول والمعادن النادرة والإعلان الرسمي الأمريكي، أنها قررت وضع فنزويلا وثرواتها تحت الوصاية الأمريكية.

وأظن أن أحد الأسباب المهمة التي تجعلنا نفهم هذا الهجوم الذي صدم كثيرين هو أن الولايات المتحدة، في عهد الرئيس دونالد ترامب، تريد أن تؤكد للجميع أنها لا تزال القطب الأوحد في العالم، وأن كل ما يتردد عن وجود نظام دولي جديد، قائم على الأقطاب المتعددة، ليس صحيحاً.

نعلم أن كلاً من روسيا والصين وربما الهند والاتحاد الأوروبي يريدون أو يسعون أو يحاولون دائماً الحديث عن نظام متعدد الأقطاب، بحيث يكون لكل منهم دور فاعل في هذا النظام وهو الأمر الذي تحاول واشنطن منعه أو تأخيره بكل السبل الممكنة بما فيها العسكرية.

ولمن لا يعرف مبدأ مونرو فإن الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمس مونرو، سلّم الكونغرس الأمريكي بياناً عام 1823 صار يعرف فيما بعد بـ«مبدأ مونرو».

ورغم كل ما سبق فإن الولايات المتحدة لم تكن شديدة الوضوح في تدخلها في هذه القارة، وعملياً سمحت بوجود العديد من الأنظمة المختلفة معها أو المعارضة أو حتى المناوئة، والأمثلة على ذلك كثيرة مثل كوبا بعد نجاح ثورتها بزعامة فيديل كاسترو عام 1959، والتي دعمت بدورها العديد من الأنظمة اليسارية في أمريكا اللاتينية، خصوصاً نيكاراغوا، وتشيلي قبل الانقلاب على نظام سلفادور الليندي عام 1973، ثم صعود الرئيس البرازيلي، لولا دي سيلفا، المعروف بمعارضته العلنية للعديد من السياسات الأمريكية.

ما يفعله ترامب الآن ليس فقط تفعيل مبدأ مونرو، ولكن تدشين لمبدأ جديد هو «دونرو» أي الحرفين الأولين من دونالد والحروف الثلاثة الأخيرة من اسم «مونرو».

هذا المبدأ الجديد لا يتضمن فقط إبعاد أي نفوذ روسي أو صيني أو إيراني أو كوبي عن هذه القارة، ولكن تدشين لمبدأ القوة فوق القانون.

ترامب وكبار مساعديه قالوا علناً إن من يكرر سياسات مادورو سوف يواجه مصيره، بل تم الحديث علناً عن إمكانية تطبيق ذلك في دول مثل كولومبيا، أو حتى كوبا، رغم أن مسؤولين أمريكيين قالوا إن النظام الأخير في هافانا سوف يسقط من دون تدخل حينما يتوقف ضخ أموال البترول الفنزويلية في شرايين الاقتصاد الكوبي.

قبل اختطاف مادورو لم يتوقف كثيرون عند استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة التي صدرت في نوفمبر الماضي، حيث تصدرت أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي أولويات الأمن القومي الأمريكي، إضافة إلى أنها تنظر للقدرات العسكرية والسياسية والاقتصادية للقوى المنافسة كتهديد محتمل للأمن القومي الأمريكي، وتتحدث الوثيقة بوضوح عن الحد من النفوذ الصيني والروسي، وكذلك استخدام القوة والوجود العسكري لتحقيق ذلك، إضافة لتوقيع اتفاقيات أمنية مع دول القارة، ونشر قوات واستخدام قواعد ثابتة لمكافحة ما تصنفه واشنطن بالإرهاب وكارتلات المخدرات، إذن الأمر أكبر وأخطر من مجرد كلام بعض المحللين عن أن ما حدث هو ارتداد وعدم اعتراف بالقانون الدولي والشرعية الدولية، فهذا الأمر لم يكن يؤمن به ترامب، بل قال لـ«نيويورك تايمز» يوم الخميس الماضي إنه ليس بحاجة للقانون الدولي!!!الجديد أن العالم مع مبدأ «دونرو»، يعود إلى الحقبة الاستعمارية التي تجعل أي دولة قوية تقوم باحتلال دولة ضعيفة من دون أي سند أو قانون أو شرعية.

ومن الواضح أن ما حدث في فنزويلا لن يكون آخر المفاجآت، بل بداية مرحلة جديدة ومختلفة من عصر القوة بلا أي مساحيق تجميل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد