: آخر تحديث

وصفات للتخريب

11
8
7

في الحروب الحديثة، لم يعد إسقاط الدول يتم عبر الاجتياح العسكري المباشر أو المواجهة التقليدية بين الجيوش، بل عبر مسار أسرع وأشد فتكاً، هو تفكيك الدولة من داخلها باستخدام كيانات أصغر تقدم على أنها كيان موازٍ للدولة، ويُدعم مالياً وعسكرياً، بينما تستعمل فعلياً كأدوات تخريب.

هذا النمط كان موضوعاً لدراسة أكاديمية أجرتها كينغز كوليدج في لندن حول مفهوم «الحرب بالإنابة» عام 2021، وكان السؤال الجوهري الذي طرحته الدراسة ليس مَنْ يقاتل؟ بل من يدير القتال؟ ولماذا؟ تشير الدراسة إلى أن بعض الدول، حين تعجز أو لا ترغب في تحمل كلفة المواجهة المباشرة، تلجأ إلى دعم كيانات أصغر، غالباً ما تكون مسلحة أو يتم تسليحها لتعمل خارج الإطار المؤسسي للدولة المستهدفة، وهذه الكيانات تُمنح المال والسلاح والغطاء السياسي، وتترك لتقوم بالمهمة، وإنهاك الدولة، وكسر احتكارها للقوة، وإغراقها في صراع داخلي طويل، وهي في الظاهر شراكة، وفي الجوهر تفويض تخريبي للعنف.

الدراسة توضح أيضاً أن هذا الأسلوب يوفر للدولة الداعمة والراعية لتلك الكيانات ثلاث مزايا تتمثل في: تقليل الخسائر البشرية، والإنكار السياسي، وتفادي المساءلة القانونية. وتشير الدراسة إلى أن ما يقدم كحل ذكي قصير المدى، يتحول في الواقع إلى قنبلة موقوتة، فحين يُسلح كيان خارج الدولة، ويُمنح شرعية الأمر الواقع، تبدأ الدولة بالتآكل من الداخل، ولم تعد الحكومة هي صاحبة القرار، ولم يعد الجيش هو القوة الوحيدة، بل يصبح العنف موزعاً بين أطراف متنافسة، لكل منها أجندته وحسابه الخاص.

أوضح مثال على ذلك هو «حزب الله» في لبنان، و«الحوثي» و«المجلس الانتقالي» في اليمن، و«قوات الدعم السريع» في السودان، وهذه القوة في السودان تحديداً لم تنشأ بوصفها مؤسسة وطنية، بل بوصفها ذراعاً أمنية موازية، ثم جرى تضخيمها سياسياً وعسكرياً حتى أصبحت لاعباً مستقلاً، وفي اللحظة التي وُضع فيها السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة، انتهى التوازن، ولم تعد المسألة خلافاً سياسياً يمكن احتواؤه، بل أصبحت صراع وجود بين مؤسسة الدولة وكيان مسلح يرى نفسه ندّاً لها، والنتيجة كانت انهياراً شاملاً، فهنالك حرب داخل الدولة، وتفكك في القرار السيادي، وانزلاق السودان إلى فوضى مفتوحة ذات امتدادات إقليمية.

ما تحذر منه الدراسة يتجسد هنا بدقة بأن الوكيل المسلح، حين يُمنح القوة بلا ضوابط، لا يبقى أداة تحت الضبط، بل يتحول إلى مشروع سلطة، ومع الوقت، يفقد الوكيل أو الراعي لذلك الكيان قدرته على التحكم فيه، ويصبح أسيراً للفوضى التي أسهم في صناعتها، فالحرب بالإنابة لا تُنتج استقراراً، بل تُراكم العنف، وتُطيل أمد الصراع؛ لأنها تفصل بين من يدفع الثمن ومن يتخذ القرار.

وتشير الدراسة إلى أن السياسة الأخطر في هذا المسار ليست فقط تدمير الدولة المستهدفة، بل ضرب مفهوم الدولة ذاته في الإقليم، حين يصبح تفويض العنف مقبولاً، وخصخصة الحرب ممارسة اعتيادية، تتآكل الحدود بين الدولة والميليشيا، عندها لا تعود الفوضى حالة استثنائية، بل نمط حكم غير معلن، تتحرك فيه القوى وفق منطق القوة لا القانون.

الخلاصة التي وصلت إليها الدراسة، والتي تؤكدها الوقائع، أن التحالف مع كيانات صغيرة لتفتيت دول أخرى ليس سياسة نفوذ، بل سياسة تخريب، وهي وصفة تقدم لانهيار الدول، وانتقال الفوضى عبر الحدود، وخلق أقاليم هشة لا يمكن ضبطها، ومن يظن أنه يستخدم هذه الأدوات من دون أن ترتد عليه، فهو يقرأ الجغرافيا بعين قصيرة، ويتجاهل درساً ثابتاً في التاريخ، مفاده أن الفوضى لا تستأجر، ولا تعترف بالولاءات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد