: آخر تحديث

العالم تعلّم الدرس.. ثم نسيه

7
7
6

في نهاية كل عام، يحدث شيء يشبه طقساً قديماً من طقوس البشر أمام المجهول. تتوقف عجلة الأخبار قليلاً، يلتفت المحللون إلى الوراء ليحللوا ما كُسر وما صمد. ثم يمدّون أعناقهم نحو العام القادم في محاولة لالتقاط همسة من المستقبل قبل وصوله.
هذا الطقس السنوي المعتاد لا يشمل الناس العاديين فقط، بل هو أكثر عصفاً عند المحليين والكتاب وخاصة في الإعلام الاقتصادي والسياسي.
شركات الاستثمار، والبنوك، وغرف التحرير، ومراكز الأبحاث.. الجميع يدخلون في موسم التنبؤات. لكنه هذا العام يحمل في طياته نبرة مختلفة يعلو فيها الاهتمام بالاقتصاد وتنتشر عبارة ثقيلة «الكساد العظيم الثاني». حتى من اعتادوا التفاؤل في «وول ستريت» ولندن وطوكيو يتحدثون بحذر. كأن النظام المالي، ذلك العملاق الذي يبدو صلباً من الخارج، بدأ يُظهر تشققات لا يراها إلا من يُحدّق طويلاً. ومع ذلك لا أحد يريد أن يكون أول من يقرع ناقوس الخطر. التنبؤ العلني بالكساد يشبه الحريق في مسرح مكتظ. لذلك تنتشر أكثر عبارات تحذيرية أقل ترهيباً للناس: «تباطؤ مُحتمَل».. وبعضهم قال: «أخطار نُزولية». لكن الرسالة واضحة، هناك تخوّف من «كساد عظيم ثانٍ».
لنفهم المستقبل أكثر علينا أن نعود إلى الماضي.. نسأل عن «الكساد العظيم الأول»؟ في الثلاثينات من القرن الماضي، جاء كصفعة كونية هزّت دول العالم. كان زلزالاً ضرب النظام العصبي للاقتصاد. بدأ مع قرارات الرئيس الأمريكي هربرت هوفر في 1930 برفع الرسوم الجمركية، فكانت الشرارة التي حوّلت الركود إلى كارثة كونية. الرئيس آنذاك كان يفكر بعقلية القرن التاسع عشر: «احمِ الصناعة الوطنية، وارفع الجمارك، وسيعود الرخاء». تم رفع الرسوم الجمركية على أكثر من سلعة مستوردة إلى أكثر من 20% وكان أعلى مستوى في تاريخ أمريكا. فكان المعنى الحقيقي: «أمريكا أغلقت أبوابها في وجه العالم». ولكن هل سكت العالم؟ طبعاً لا. الرد كان بحرب كوكبية، كندا، ألمانيا، بريطانيا، إيطاليا، الجميع ردوا برفع جماركهم ضد السلع الأمريكية. وفي ثلاث سنوات فقط بعد هذا القرار، انهارت التجارة العالمية بنسبة 66%. توقفت المصانع في أوروبا، توقفت البنوك، الملايين فقدوا وظائفهم. وكيف انعكس هذا الكساد على السياسة؟ يكفي أن نذكر.. «صعود النازية».
ألمانيا كانت في ذلك الوقت كمعظم دول العالم حالياً، تعيش على قروض أمريكية. وعندما أغلقت أمريكا أسواقها برفع الرسوم، الشركات الألمانية أفلست، نتحدث عن 6 ملايين عاطل عن العمل. في فراغٍ كهذا تصبح الأرض خصبة لظهور قائد يبحث فيه الناس عن منقذ من استغلال قوة خارجية لمقدرات دولة ضعيفة اقتصادياً. ما يبدو نصراً لمن يتحكم في قوت شعب مقهور مادياً، يصبح خسارة كبيرة لثقة الناس به. وهكذا بدأت الجماهير تلتف حول هتلر.. وبدأت النازية. ولو فتشنا بمن صنعها نجدهم هم أنفسهم من حاربها فيما بعد. هتلر لم يأتِ من فراغ، عام 1928 كان الحزب النازي هامشياً. بعد الكساد وانهيار الاقتصاد ارتفعت شعبيته لماذا؟ لأن الشعب بدأ يقول: «لسنا فقراء لأننا فاشيون، بل نحن فقراء لأن النظام العالمي يسرقنا».
هذا هو خطاب هتلر الذي أشعل الحماسة لدى الشعب المغلوب على أمره. الدرس كان أن الجمارك وارتفاعات رسومها الكبيرة هي التي صنعت الفقر، ودمرت التجارة، وفجرت البطالة، وهكذا ظهرت الثورات. هذا الخراب خلق الفكر النازي في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا، والتطرف في اليابان.. وانتهى العالم إلى «الحرب العالمية الثانية».
الرئيس هوفر كان يظن أنه يحمي أمريكا ويُعيد إليها مَجدها، لكنه في الحقيقة قام بما يشبه إغلاق الهواء على غرفة تحترق فاشتعلت النار في كل مكان. الدرس الأهم كان أن سوء الحسابات الاقتصادية حين تُدار بعقلية القوة والاستعلاء بدل التعاون العالمي، تؤدي إلى نتيجة كارثية.
إن قراءة مُتعّمِقة في اتجاهات العالم عام 2026 تنبئ بأن العالم قد يكون أمام ركود حاد في الدول الهشة اقتصادياً، فالديون وصلت إلى مرحلة الاختناق في بلدان مؤهلة لانفجار قد يُعيد عجلة الزمن إلى «كساد عالمي جديد» أو إلى نار حرب لا أحد يريدها، لكن في الوقت نفسه لا أحد يسعى لإخماد ما بدأ يشتعل تحت رماد صمتها.
أوجه التشابه بين الماضي والحاضر تؤكد أن العالم: «نسي الدرس الأول وقد يحتاج.. إلى الثاني».


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد