إِذَا أَنْتَ لَمْ تَنْفَعْ فَضُرَّ فَإِنَّمَا يُرَجَّى الفَتَى كَيمَا يَضُرَّ وَيَنفَعَا
هَذَا بيتٌ اختُلِفَ فِي نِسْبتِهِ، فَقِيلَ: البَيتُ لِلنَّابغةِ الجَعْدِيّ، وَوَرَدَ البَيتُ فِي مُلْحَقِ دِيوَانِهِ. وَقيلَ إنَّهُ لِلنَّابَغَةِ الذُّبيَانِي، كَمَا عِندَ السَّيُوطِي فِي «شرحُ شواهدِ المُغني»، والأَصَحُّ أَنَّهُ مِنْ شِعْرِ قَيسِ بنِ الخَطِيم، كَمَا قَالَ العَينِيّ، فِي «المَقاصِدُ النَّحْوِيَّة»، وَعبدُ القَادِرِ البَغْدَادِي، فِي «خِزانةُ الأدَب»، وَجَاءَ البَيْتُ فِي مُلْحَقِ دِيوَانِ قَيسِ بنِ الخَطِيم.
وَقَيسُ بنُ الخَطِيم، هوَ شَاعِرُ الأَوسِ، وَأَحدُ صَنَادِيدِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَاسْمُهُ: ثَابِتُ بنُ عَدِي بن عمرو بن سواد بن ظَفَر- وَهو: كعبٌ- بنُ الخَزرجِ بن عَمرو- وهو النَّبِيْتُ- بن مالكِ بن الأوسِ بن حارثةَ بن ثعلبةَ بن عَمرو بن عامر بن حارثةَ بن امرئ القيسِ بن ثعلبةَ بن مازنِ بن الأزد.
كنيته: (أبو يزيد). وقيسٌ شاعرٌ مُجيدٌ فحلٌ، من النَّاسِ منْ يُفَضِّله علَى حَسَّان بن ثابتٍ شِعراً.
قَدِمَ قيسُ بنُ الخَطيمِ، عَلَى النَّبِيّ صَلَى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ بمكةَ، فَعرضَ عَليهِ الإسْلامَ، فَقالَ قيسٌ لِلنَّبيّ عَليهِ السَّلامُ: إِنِّي لأعلَمُ أَنَّ الّذِي تأمرُنِي بهِ خَيرٌ منَ الّذِي تأمرُنِي بهِ نفسِي، وَفيهَا بقيةٌ من ذاكَ، فأَذهَبُ فأسْتَمتِعُ منَ النّسَاء وَالخَمرِ، وَتقدمُ بلدَنَا فأتبعكَ. فقُتِلَ وَلَم يُسْلِم، قَبلَ هِجرةِ النَّبِيّ إلَى المَدينةِ بِسنتَينِ. وَكَانَ أولَ مَا اشتهرَ بهِ قيسٌ تَتَبُّعُهُ قَاتلِ أَبِيهِ وجَدِّهِ، وَقَالَ فِي ذَلكَ شِعراً.
وَنَعودُ لِبيتِ القَصِيدِ، الّذِي يَقُولُ الشَّاعِرُ فِي شَطْرِهِ الأَوَّلِ:
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَنْفَعْ فَضُرَّ فَإِنَّمَا
وَيبدُو مِنْ صِيَاغَةِ هَذَا الصَّدْرِ، أنَّ الشَّاعِرَ يَغلبُ علَى ظَنِّه أَنَّ المُخاطَبَ بِالبيتِ أَقربُ إلَى عَدمِ النَّفعِ منهُ إلَى النَّفعِ، وَذَلكَ لِأنَّهُ قَدَّمَ فِي حديثِهِ مَعَ مَنْ يُخاطِبُ حالةَ (عدمِ النَّفع) علَى الحَدِيثِ عنْ نفعِه!
وَبناءً علَى مَيلِ الشَّاعِرِ إلَى قِراءتِه لِعدمِ نَفْعِ مَنْ يُخاطِبُ، وَجَدَ أنَّ المُعادِلَ الأَقرَبَ مَوضُوعِيَّةً لِمَا بدأ بهِ حديثَهُ مِنْ عَدَمِ النَّفعِ، إنَّمَا هوَ أمرُهُ مَنْ يُخاطِبُ بِأنْ يَضُرَّ، علَى اعتبارِ الضُّرِ هوَ مَا يُمكنُ أنْ يَكونَ عِوَضاً لِلنَّفْعِ.
وَقَولُ الشَّاعَرِ: (فَضُرّ)، جَوابُ الشَّرْطِ، وَكَانَ الشَّرْطُ فِي قَولِه: (إذَا) أوَّلَ البَيت. وَ(ضُرّ) فعلُ أَمرٍ؛ مِنْ ضَرَّ، يَضُرُ.
فِي «مقاييسُ اللغة» لابنِ فَارِس: (ض ر): الضَّادُ وًالرَّاءُ ثَلاثةُ أُصُولٍ:
الأوّلُ: خِلافُ النَّفع، وَالثَّانِي: اجْتمَاعُ الشَّيء، وَالثَّالِثُ: القوّة. فَالأوَّل الضَّرّ: ضدُّ النَّفْع. وَيُقالُ ضَرَّه يضُرُّه ضَرًّا. ثمَّ يَحملُ علَى هَذَا كلّ مَا جانَسَه أو قارَبه. فَالضُّرُّ: الهُزَال. وَفِي الشَّطرِ الثَّانِي مِنَ البَيتِ، يَقُولُ:
يُرَجَّى الفَتَى كَيمَا يَضُرَّ وَيَنفَعَا
(يُرَجَّى): بِضمِّ اليَاءِ، وَفتحِ الرَّاءِ، وَتَشْدِيدِ الجِيمِ المَفتُوحَةِ، ثم تأتِي ألفٌ مَقصُورةٌ في الآخرِ، مُبَالغَة في يُرجَى، أيْ تَضْعِيف رَجاءِ النَّاس المُقدريْنِ فِي البِنَاءِ لِلمَجهُولِ، وَرجاؤُهمُ المُضاعَفُ فِي الفَتَى. وَلَا يريدُ الشَّاعرُ فَتًى مُحَدَّداً، بلْ عَبَّرَ بِالفتَى لِلدلَالَةِ علَى الشَّابِ الطَّامِحِ لِأَفضَلِ المَرَاحِلِ.
قَالَ بَعضُهمْ أنَّ الشَّاعرَ بأمرِهِ المُخاطبَ بأنْ يضرَّ، إذَا لمْ ينفعْ، لَا يُريدُ عَينَ الضَّرَر، لكنَّهُ يُريدُ تحقيقَ النَّفعِ بأمرِهِ بِالضُّر! وَقَالَ غَيرُهُمْ: أَرادَ إذَا لمْ تَنفعْنَا فضُرَّ عَدوَّنَا!
وَيظهَرُ لِي أنَّ المَعْنَيَيْنِ السَّابِقَيْنِ يَتَعَذَّرُ العَمَلُ بِهِمَا فِي الدَّوْلَةِ الحَدِيثَةِ، حَيثُ يُعَاقَبُ مَنْ يَثْبُتُ ضَرَرُهُ لِغَيرِهِ، وَرُبَّمَا عُوقِبَ مَنْ حَرَّضَهُ عَلَى الإضْرَار. فَإذَا لَمْ تَنفَعْ غَيْرَكَ، فَكَفَّ عَنِ النَّاسِ ضُرَّكَ، وَفِي هَذَا الكَفِّ خَيْرٌ كَبِيرٌ، وَنَفْعٌ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ، وَاللهُ أعْلَم!

