: آخر تحديث

خبز الأم وحصان الأب

11
13
12

لم تشتهر قصائد لمحمود درويش مثل تلك التي يقول فيها: «..أنا يوسف يا أبي..» أو تلك التي يخاطب فيها أباه قائلاً «.. لماذا تركت الحصانَ وحيداً» مثلما اشتهرت قصيدته «.. أحنّ إلى خبز أمّي»، وقد يرجع البعض شهرة هذه القصيدة إلى غنائها بصوت مارسيل خليفة حيث تحظى القصائد المغناة عادةً بتلقٍ شعبي واسع النطاق، بينما قد تحظى قصائد الأم أو شعر الأم إن جازت العبارة باستقبال شعبي وجماهيري واسع لسبب وجداني يتصل بعاطفة الأمومة القوية عند القرويين بشكل خاص، فالأم هي شجرة العائلة ومركز العالم والكون برمّته، في حين تأتي هذه الرمزية الوجودية والوجدانية في الدرجة الثانية بالنسبة للأب، وفي كل الأحوال فإن هذا الأب الفلّاح أو الحرّاث أو المزارع لا يقوم هو في العائلة بالخَبْز والعجن والطهي وتحضير القهوة بالمعنى الشعري (الأمومي) الذي رمى إليه درويش، بل هو رجل الحصان أو صاحب ذلك الحصان الذي ظل وحيداً، كما لو أنه يتيم بعدما غادرت العائلة كلّها بلادها، وتركت خلفها كل شيء.. الخبز والقهوة والبيت والحصان.

قد تتوارد إليك مثل هذه التداعيات في مناسبة يوم الأب، إذا ما قرأت بشكل عام شعرنا العربي الذي تتجلّى في الكثير منه شخصية الأم بوصفها مركزية أدبية وعاطفية أكثر من ظهور شخصية الأب بهذه المركزية التي صنعها الشعراء، تحديداً، في حال عودتهم النفسية الحنينية إلى فكرة العائلة والبيت وحتى الوطن، حيث المركز هنا (الأم) بكل رمزياتها وصورها المتوالية، ومن الصور المتوالية تلك: ضعف هذه الإنسانة بالدرجة الأولى، ثم جمالياتها المتوالية أيضاً، وهي على الرغم من ضعفها ها هي من تصنع الخبز، رمز الحياة والبقاء، وها هي أيضاً تصنع القهوة.. رمز السعادة، وفي كل هذه الرمزيات هي فعلاً عمود العائلة الذي يستحق كل هذا الحضور الشعري الغنائي والحميم.

في إحدى قصائده يقول محمود درويش «.. وداعاً، وداعاً لشعر الأم»، وربما يمكن القول أيضاً «.. وداعاً وداعاً لشعر الأب» الذي يدعو بعض المفكرين إلى قتله، طبعاً قتل الأب بالمعنى الرمزي هنا، وليس الواقعي أو المادّي،.. أي قتل الأب بوصفه يرمز إلى السلطة، والنفوذ، وهي أفكار سوداء مهما كانت رمزية وغير واقعية.

مسكين الرجل الأب، وأحياناً غير الأب، فهو اليوم ضحية بعض الأفكار المتطرّفة التي تصوّره على أنه طاغية، مع أنه هو الآخر يقع في الطبقة الأولى من ضغط الطغيان والتسلط والاستبداد أحياناً، وربما دائماً، ومع ذلك، تدعو النظرية النسوية المتحرّرة وضع خطين تحت المتحرّرة إلى قتله.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.