كأنّ قنبلة نووية جرى إلقاؤها فوق أريزونا، فالحياة التي كانت عامرة على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، لم تعد كذلك. فلا حقول ولا زراعات ولا مزارعين، وتبدو الأراضي الصلبة المتشققة وكأنها مشهد من كوكب قاحل، أو صورة التقطتها وكالة ناسا لكويكب بعيد.
لطالما قرأتُ عن التهديد البيئي العملاق الذي يهدد الغرب الأميركي، وعن جفاف المياه في حوض نهر كولورادو، وهو النهر الذي يمتد نحو ألفين وخمسمائة كيلومتر، ويزرع أكثر من خمسة ملايين فدان. ولكنني هذه المرة سمعت القصة المروّعة مباشرةً من مصدرها.
في أبوظبي عقد «مجلس حكماء المسلمين» - الذي يترأسه فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر - مؤتمراً مهماً لقادة الأديان الذين جاؤوا من (40) دولة، للحديث عن رؤيتهم لأزمة تغير المناخ وتهديد الحياة على أرضنا.
في ضيافة «مجلس حكماء المسلمين»، روت لنا الجدّة «منى بولاكا» وقائع صادمة لأزمة الجفاف في حوض نهر كولورادو، والتهديد الجديد للغذاء والطاقة في غرب الولايات المتحدة.
تنتمي «الجدّة منى» التي تخرجت في جامعة أريزونا، إلى قبيلة «باركر» وهى إحدى قبائل السكان الأصليين «الهنود»، وهي تعمل في موقع الأمين العام المشارك لاتحاد الشعوب الأصلية.
قالت الجدّة: ليس لدينا كتاب مقدس مكتوب، لكن لدينا قيمنا وتقاليدنا المكتوبة على الأحجار، لكن تغيّر المناخ بدأ يهدد هذه الأحجار، ويذيب معها تاريخنا وتراثنا. الجفاف والحرائق والعواصف والانهيارات الأرضية تلاحقنا، لقد سقطت نصف القرية في المحيط، غرقت منازلنا وذكرياتنا وقبور أجدادنا مع نصف القرية في ظلمات البحر.
تواصل «الجدّة منى»: لقد عشنا هنا آلاف السنين، والآن نغادر بسبب تغيّر المناخ إلى مواطن جديدة، لا عاطفة تربطنا بها، ولا نعرف كيف نجمع طعامنا ونكسب عيشنا فيها. إن مياه نهر كولورادو التي طالما عشنا عليها، تجفّ اليوم، ولا نجد مياهاً تكفي لزراعتنا أو حياتنا، وحين تذهب النساء بعيداً لجلب الماء، تواجهن العديد من المخاطر.
كان صوت «الجدّة منى»، ومعها نخبة من الحضور في قاعة مركز أبوظبي للطاقة، مدويًا في دعم الأهداف الأساسية لـ«كوب 28» في الإمارات 2023.. والعمل جميعاً، ومن دون تباطؤ لإنقاذ كوكبنا.
وقد سمعتُ في المؤتمر من البروفيسور جيفري ساكس مدير مركز التنمية المستدامة في جامعة كولومبيا نداءه الواضح: إمّا نظام عالمي يواجه تغير المناخ، ويضمن عالماً مستداماً أو الكارثة.
قال لي المستشار محمد عبدالسلام الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين: لقد وافقت الأمم المتحدة - لأول مرة - على تخصيص «جناح الأديان» في «كوب 28».. ولقد دعونا (350) متحدثاً من (70) دولة، إيماناً من مجلس الحكماء بأن القادة الدينيين يجب أن يواصلوا العمل على إقناع القادة السياسيين، والمجتمعات المتنافسة.. بالبحث عن حلّ.
يعيش العالم مرحلة عصيبة من تاريخه، ولكنها على الرغم من مواجعها وآلامها وحروبها، توازيها حركة كبرى في العلم والعمل. ما يحتاجه العالم اليوم هو السلام من أجل الحياة، أو بتعبير جيفري ساكس: السعادة والكرامة.
*كاتب مصري

