في زمنٍ يتقدّم فيه الذكاء الاصطناعي بخطواتٍ واثقة لن يفاجئني الأمر حين نرى قريبًا مؤسساتٍ ثقافية تحتفي بقصيدةٍ مصنوعة، كما احتفت قبلها بأشياء كثيرةٍ أُنتجت خارج نبض الإنسان، ليس لأن الذكاء بلغ ذروة الخلق، وإنما لأننا ومنذ زمنٍ طويل تعاملنا مع الشعر بوصفه مادة قابلة للتشكيل، لا انبثاقًا من جوهر الشعور ذاته.. ذلك الجوهر الذي اشتُقّت منه مفردة “شِعر” أول مرة، حين كان الإحساس سابقًا للعبارة، والدهشة أصل اللغة، لقد بدأ الخلل حين تصوّرنا أن القصيدة يمكن أن تُدار كآلة، وأن تُوجَّه كخطاب، وأن تُكتب وفق رغبةٍ مسبقة، لا وفق ضرورةٍ داخلية، ففي زمن الأبيض والأسود، حيث كانت الأغنية تبتسم رغم الفقر، وكانت اللغة تُحاصر بين مدرسٍ يُتّهم بالقدم، ومجتمعٍ يطلب الحداثة دون أن يدرك ثمنها، تشكّلت صورة الشاعر بوصفه كائنًا لغويًا يُجيد التلاعب، لا كائنًا وجوديًا يُجيد الإنصات. هناك، في تلك اللحظة، بدأ الشعر يفقد شيئًا من روحه، حين صار يُرى بوصفه مهارةً أكثر من كونه مصيرًا، حينها لم يكن ما قدّمه بعض الأدب والسينما إلا انعكاسًا لهذه النظرة المرتبكة؛ فالشاعر في كثير من الصور بدا مهرّجًا لغويًا، أو انتهازيًا يُروّض قصيدته لمصلحةٍ عابرة، حتى غدا حضوره أقرب إلى النكتة منه إلى الرؤيا، ولم يكن ذلك نتيجة مؤامرةٍ كما ظنّ البعض، بل نتيجة فهمٍ ناقصٍ للشعر نفسه، فهمٍ لم يدرك أن القصيدة لا تُكتب لتُرضي، وإنما لتكشف، ولا تُقال لتُصفّق لها الجماهير، وإنما لتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وذاته، حتى كبار الشعراء لم يسلموا من هذا الالتباس؛ فكم من ديوانٍ عظيمٍ لو نُزعت عنه القصائد المصنوعة لبقي فيه ما يكفي ليخلّد صاحبه، ذلك لأن الشعر، في جوهره، ليس كثرة إنتاج، إنما ندرة انكشاف؛ لحظة صفاءٍ لا تتكرر، ولا تُستدعى بالإرادة، بل تأتي كقدرٍ لغويٍّ مفاجئ.
ومع تحوّل الشعر في السنوات الأخيرة نحو الفلسفة، بدأ يستعيد بعضًا من مكانته بوصفه سؤالًا لا إجابة، ورؤيةً لا تقريرًا، ومع ذلك، لا تزال بعض مؤسساتنا الثقافية تُصرّ على التعامل معه كمنتجٍ يمكن توجيهه، فتطرح مسابقاتٍ تُحدّد موضوع القصيدة، وتُقنّن انفعالاتها، وكأنها تصوغ قالبًا يُطلب من الشاعر أن يملأه، وهنا يكمن الخطر: حين تتحوّل القصيدة إلى استجابة، لا إلى انبثاق، إن القصيدة الحقيقية لا تُعرف قبل أن تُكتب، ولا تُفهم قبل أن تُدهش، لا تأتي لتقول ما نعرف لكنها تكشف ما لم نكن نجرؤ على معرفته.. تخلق زمنها الخاص وتفرض لغتها وتُعيد تعريف كاتبها قبل أن يظن أنه كتبها.. هي ليست وسيلة بل غاية ليست أداة تعبير بل كينونة تتشكّل في لحظة التماس بين الروح والعالم، ولو كان للشعر وصفة لامتلكها الأقوياء منذ زمن، ولما احتاجوا إلى شراء الشعراء أو استئجار أصواتهم، لكنهم في كل مرة يكتشفون أن ما اشتروه ليس إلا ظلالًا بلا أصل، وأن القصيدة التي لا تُولد من الداخل لا تعيش خارجه، ومن هنا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي، بقدر ما يكمن في استعدادنا نحن للتخلّي عن جوهر الشعر لصالح صناعته، فإذا أصبحت القصيدة مهارةً قابلة للتكرار، فإن الآلة ستكون أقدر عليها من الإنسان، أما إذا بقي الشعر تجربةً وجودية، واحتراقًا داخليًا، وانكشافًا لا يُشترى، فسيظل الإنسان وحده جديرًا به، لذلك أظن أن المسؤولية اليوم تقع على عاتق مؤسساتنا الثقافية كما تقع على الشعراء أنفسهم عليهم أن يُعيدوا للشعر حريته، وأن يتركوه يتشكّل خارج القوالب، وأن يؤمنوا بأن القصيدة لا تُطلب، بل تُنتظر، وإلا فإننا لن نخسر الشعر وحده، بل سنخسر ذلك البخور الخفي الذي كانت أرواحنا تتطهّر به كلما التصقت بالمعنى الإنساني العميق.

