البيان الذي أصدرته "وزارة الخارجية" السعودية في 16 أبريل الجاري ترحيباً بـ"إعلان الرئيس الأميركي وقف إطلاق النار في لبنان" يأتي في سياق الدعم التاريخي من المملكة تجاه ترسيخ السلم والأمن في لبنان، بما حمل من إشارة سياسية كثيفة، من أن تثبيت وقف النار هو المدخل الضروري لإعادة بناء الدولة اللبنانية، وتقوية مؤسساتها، وتمهيد الطريق لبسط سيادة الجيش على كامل الأراضي اللبنانية.
هذه المقاربة تعني عملياً مسارين متلازمين: انسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها، وإنهاء ازدواجية السلاح والقرار عبر حصر القوة العسكرية بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، بما يعيد تعريف مركز السلطة ومسؤولية الحماية داخل الكيان اللبناني.
أهمية "البيان" لا تقف عند تأييد وقف إطلاق النار، بل تظهر أيضاً في إشادته بالدور الذي قام به رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري. فذكر الرئاسات الثلاث معاً، يعكس حرص الرياض على مخاطبة الدولة اللبنانية من خلال مؤسساتها الدستورية الجامعة، لا عبر الاصطفافات الطائفية أو الحسابات الفئوية. وهذا امتداد لنهج سعودي قديم في التعامل مع لبنان بوصفه دولة متعددة البنية والثقافات، لا ساحة نفوذ لطائفة أو محور!
من هذه الزاوية، يتجاوز "البيان" بعده السياسي المباشر، لأنه يضع بوضوح مبدأين حاكمين: بسط السيادة، وحصر السلاح بيد الدولة. وهما مبدآن يستهدفان نقل لبنان من وضع تتقاسم فيه الدولة القرار مع "قوى ما دون الدولة" إلى وضع تكون فيه السلطة الشرعية وحدها صاحبة القرار السياسي والعسكري. ما يعني خروج لبنان من اصطفاف "المحاور الإقليمية" والدفع نحو إعادته إلى سياقه العربي الطبيعي، وإبعاده عن الارتهان لـ"المحاور" التي أضعفت مؤسساته، وفي مقدمتها العلاقة العضوية بين "حزب الله" وإيران.
ما سبق لا يلغي واقع الدور السلبي للحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، واعتداءاتها على الجنوب وبيروت ومدن لبنانية أخرى، واستهدافها المدنيين والصحافيين والطواقم الطبية. غير أن اختلال ميزان القوى، وارتباط "حزب الله" بالقرار الإيراني، ساهم كل ذلك في إضعاف الدولة اللبنانية وتعميق هشاشتها.
ما قامت به السعودية بعيداً عن الأضواء، هو استخدام ثقلها السياسي لحث الولايات المتحدة على الدفع نحو وقف إطلاق النار في لبنان، وممارسة ضغط على حكومة بنيامين نتنياهو، بالتوازي مع تحرك دبلوماسي شمل قوى إقليمية ودولية مؤثرة. وقد التقطت السلطة اللبنانية هذا الدور، فشكر الرئيس جوزيف عون المملكة صراحة، مؤكداً أن "لبنان لم يعد ورقة في جيب أحد ولا ساحة لحروب الآخرين"، فيما وضع نواف سلام السعودية في طليعة الداعمين.
القيمة الفعلية للموقف السعودي أنه يطرح بديلاً عن منطقين مأزومين: منطق "وحدة الساحات" الذي يربط لبنان بأجندات إيرانية خارجية، ومنطق فرض الأمر الواقع بالقوة الذي تمارسه إسرائيل. لذلك فإن الرياض لا تدعم هدنة مؤقتة، وإنما تعمل على توفير مظلة سياسية يمكن أن تساعد لبنان على الانتقال من ساحة اشتباك إقليمي، إلى دولة تفاوض باسمها، وتستعيد سيادتها ومؤسساتها وإمكانات إصلاحها.

