: آخر تحديث

من صيد الخاطر: «مُحْترَسٌ مِنْ مِثْلِهِ وَهُوَ حارِسٌ»

6
5
5

«مُحْترَسٌ مِنْ مِثْلِهِ وَهُوَ حارِسٌ»... إنه أمر غريب أن يحترس الناس منه ومن مثله وهو حارس. ينطبق هذا المثل على القول: «اللهم احفظنا من حافظنا»، فهو مثل عربي يُطلق على خائن الأمانة، وعلى الرجل يُعَيِّرُ الفاسقَ بفعله وهو أخبث منه.

قول: «مُحْترَسٌ مِنْ مِثْلِهِ»، أي أن الناس عادةً يأخذون حذرهم وحيطتهم من الأشخاص الذين يحملون صفات كالغدر، والدهاء، والقوة المفرطة، فتأتي المفارقة في قول: «وَهُوَ حارِسٌ»، أي أن هذا الشخص نفسه هو مَنْ وُضع في مقام «الحراسة» أو «الأمانة»، وهو الشخص الذي يُفترض به حماية الآخرين من المخاطر التي يمثلها هو أو أمثاله، فهو كَمَنْ وضع الذئب حارساً للغنم.

المثل: «حاميها حراميها»، هو الأقرب لمثلنا، وهو المثل الشعبي الأكثر شُهرةً، ويُضرب لمَنْ يُوكل إليه حفظ شيء فيكون هو أول مَنْ ينهبه، و«كالمُستجير من الرَّمضاءِ بالنار»، ويُضرب لمَنْ يهرب من أذى ليقع في أذى أشد منه، أو كَمَنْ يهرب من عدو ليلتمس الحماية عند مَنْ هو أفتك منه.

وهذا المثل ينطبق على قصة إخوة يوسف، عليه السلام، حين ادَّعوا حراسته، فقالوا لأبيهم: «أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ»، لكن يعقوب، عليه السلام، كان «يحترس منهم»، فقال: «قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ»، فهنا اجتمع في هؤلاء الإخوة وصف الحارس المُحترس منه.

الرسول ﷺ، حذَّر، فقال مُحترساً: «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ»، وقال ﷺ: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ»، فهو محترس من الخائن الذي يُؤتمن، وحذَّر، عليه السلام، من مستشار السوء الذي يُتخذ ليكون «حارساً» لصاحب القرار برأيه ومشورته، لكنه قد يكون هو مكمن الخطر، فقال: «مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ».

وهذا بيت شعر يصف الحارس الخائن:

يا ناطِحَ الجَبَلِ العالي لِيَكلمَهُ

أَشْفِقْ عَلى الرأسِ لا تُشْفِقْ عَلى الجَبَلِ

وبيت شعر آخر، فيه:

وَرعِيُّ الشاةِ في أَرضٍ مَسبَعَةٍ

طَمَعٌ في الذِّئبِ أَن يَكونَ لَها حارِساً

وقال آخر مُحترساً:

احْذَرِ المَـرْءَ كَـمَا تَـحْـذَرُهُ

إِنَّمَا الـمَـرْءُ عَـدُوٌّ لِـلْـمَـرْءِ

وَإِذَا اسْتَـرْعَيْـتَ ذِئْـبَـاً غَنَمَاً

فَقَدِ اسْتَـرْعَيْتَ أَهْـلَ الغَـدْرِ

وصفُ الذئب الذي يُطلب منه حراسة الغنم هو أبلغ تجسيد لمثلنا، فهو «حارس» في الظاهر، و«مُحترس منه» في الحقيقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد