: آخر تحديث

هل يُعيد «تسونامي» ترمب رسم خريطة الإعلام؟

5
4
4

كتبتُ كثيرًا بإعجاب، عن الكيفيَّة التي تعاملت بها وسائلُ الإعلام الأمريكيَّة التقليديَّة مع تسونامي التطوُّرات التكنولوجيَّة، التي صاحبت ظهور الإنترنت وانتشارها منذ منتصف التسعينيَّات، وكيف استطاعت الكثير من تلك الوسائل بذكاء ومهارة مهنيَّة من تحويل ذلك الخطر الوجوديِّ إلى فرص غير مسبوقة للربح والانتشار والتأثير. غير أنَّي أجد نفسي اليوم أمام تساؤلٍ جديدٍ أكثر إلحاحًا، يتعلَّق بمدى قدرة تلك الوسائل نفسها على مواجهة تسونامي مختلف في طبيعته وأدواته، أوجده الرئيس ترمب، ويسعى من خلاله إلى إعادة تشكيل خريطة الإعلام الأمريكيِّ، على نحوٍ لم يجرؤ عليه أيُّ رئيسٍ أمريكيٍّ قبله.

منذُ صعود ترمب إلى المشهد السياسيِّ، كان واضحًا أنَّه لا ينظر إلى الإعلام التقليديِّ كشريكٍ في نقل المعلومة، بل كخصم سياسيٍّ ينبغي تهميشه وإضعافه، متبعًا في سبيل ذلك إستراتيجيَّة تهدف إلى تقويض الثقة في ذلك الإعلام، وإعادة توجيه الجمهور نحو قنوات بديلة يمكنه السيطرة عليها بشكل مباشر. فخلال فترة ولايته الأُولَى صرَّح بأنَّه يفكِّر في إلغاء الإيجاز الصحفي للبيت الأبيض والاكتفاء بتويتر كمنصَّة بديلة للتصريحات. بعد ذلك قام بتأسيس منصَّة «تروث» الخاصة به عام 2022، ثم أخيرًا إطلاق تطبيق جديد للبيت الأبيض. ناهيك عن وصفه المتكرر لوسائل الإعلام بـ»الأخبار الزَّائفة»، و»عدو الشعب»، وهجومه اللَّفظي بشكل مستمر على الصحفيِّين الذين يختلف معهم، ومنعهم من حضور المؤتمرات الصحفيَّة، وملاحقتهم بالدعاوى القضائيَّة، وما يعكسه كل ذلك من تحوُّلات عميقة وغير معتادة في طبيعة العلاقة بين السلطة والإعلام والجمهور.

هذه التحوُّلات لا يمكن قراءتها بمعزلٍ عن التغيُّرات البنيويَّة في نموذج الاتِّصال السياسيِّ، فالنموذج التقليدي الذي كان يقوم على وساطة المؤسَّسات الإعلاميَّة الأمريكيَّة بين صانع القرار والرأي العام؛ يتعرَّض اليوم لتآكل متسارع، حيث لم تعد هذه المؤسسات بوابة وحيدة لمرور الرسائل السياسيَّة، بل أصبحت طرفًا في بيئة تنافسيَّة مفتوحة، تتجاور فيها المهنيَّة مع الشعبويَّة، والمعلومة مع التضليل.

أمَّا على المستوى المهني، فإنَّ التحدِّي الذي يواجه الإعلام الأمريكي اليوم يتجاوز مجرَّد التكيُّف مع أدوات جديدة، ليطال جوهر مهنة الصحافة؛ وهو المصداقيَّة. فالتشكيك الممنهج في المؤسسات الإعلامية، وتكرار اتهامها بالإنحياز وممارسة التضليل، لا يؤدي فقط إلى إضعاف تلك المؤسسات، بل إلى إرباك الجمهور نفسه في تمييز الحقيقة من الزيف.. وفي بيئة إعلاميَّة تتَّسم بالاستقطاب الحاد، يصبح الحفاظ على المعايير المهنيَّة الصَّارمة مهمَّة أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع سيطرة البيئة الرقميَّة التي -بطبيعتها- غالبًا ما تكافئ الإثارة أكثر من مكافأتها للدقَّة والرزانة.

السؤال الجوهري اليوم ليس ما إذا كانت المؤسسات الإعلاميَّة الأمريكيَّة قد نجحت سابقًا في استيعاب صدمة الإنترنت، بل ما إذا كانت تمتلك القدرة المؤسسيَّة والمهنيَّة على استيعاب الصدمة الرَّاهنة، عبر تطوير نماذج عمل تعزِّز حضورها دون أنْ تُفرِّط في معاييرها التحريريَّة، وتعيد في الوقت ذاته صياغة علاقتها بجمهور لم يعد يقبل بدور المتلقِّي السَّلبي، بل يتطلَّع إلى المشاركة والتأثير والمساءلة.

لا يبدو لي أنَّ «تسونامي ترمب» يقتصر على محاولة إعادة توزيع النفوذ داخل المشهد الإعلاميِّ، بقدر كونه يضع الإعلام الأمريكي أمام اختبار حقيقيٍّ لقدرته على التكيُّف دون التفريط في هويته المهنيَّة. فإمَّا أنْ تنجح هذه المؤسسات في تحويل هذا التحدِّي إلى لحظة مراجعة عميقة، وإعادة تموضع مدروسة، تستعيد من خلالها ثقة الجمهور، وتؤكِّد دورها بوصفها فاعلًا محوريًّا في المجال العام، وإمَّا أنْ تفسح المجال لنماذج بديلة قد تكون أكثر قدرة على الانتشار والتأثير، لكنَّها أقل التزامًا بمعايير الدقَّة والموضوعيَّة. وبين هذين المسارين، لا تتحدَّد فقط ملامح مستقبل مهنة الإعلام، بل أيضًا سمعة ومكانة ذلك الإعلام في الولايات المتحدة وخارجها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد