أما الأفلام المصرية، الأبيض والأسود، فقد سبقت غيرها لدور العرض، ببضع سنوات، وكانت بدايات مشاهدتها في البيوت فقط، وكان من أشهر من تعامل بها، استيراداً وبيعاً وتأجيراً، الصديق يعقوب مال الله، وشكل تعامله بها المفتاح، الذي مكنه من الولوج إلى عالم المال والأعمال من أوسع طرقه.
قبل سبعين عاماً، كان والدي يقوم اسبوعياً باستئجار بكرة فيلم مصري وعرضه في فناء البيت، الذي كان يقسم فناءه الكبير لقسمين، بعدد من الشراشف، للرجال والنساء، خصوصاً عندما يقرر بعض الجيران أو الأقارب حضور العرض معنا. كانت مناسبة مشاهدة فيلم سينمائي متعة حقيقية، تلقى صيحات استنكار، مع انقطاع الشريط السينمائي، والاضطرار إلى وقف العرض، وإعادة توصيل الشريط.
كان بعض متشددي الأسرة، دينياً، من الرجال بالذات، يعتقدون بحرمة النظر للشاشة، أو شرشف العرض، الذي كان يعرض الكثير من الأمور «الفاضحة»، لكن مع الوقت كان ميل رقابهم باتجاهها يزداد مرة بعد الأخرى، خصوصاً مع تصاعد صيحات الإعجاب بسبب ضربة «بوكس» على وجه المجرم، أو تعالي صيحاتنا، في محاولة يائسة لتحذير البطل أنور وجدي من نية المجرم محمود المليجي طعنه من الخلف.
أنهت السينما الشرقية، المخصصة للأفلام العربية، والفردوس للأفلام الأمريكية، وتالياً الهندية، والحمرا للأفلام الأمريكية، وأحياناً للعرض الضخم من الأفلام الهندية، عروض السينما المنزلية، مع تزايد أعداد المعجبين بالأفلام الهندية، وكان من أشهر ممثليها موكيش، وراجي كابور، وديليب كومار، وشامي كابور، ومادوبالا ومينا كوماري ونرجس، وجميعهم ومئات غيرهم أصبحوا، مع الوقت، بأغانيهم وقصص أفلامهم الأسطورية، جزءًا من الذاكرة الشعبية في الهند، وفي المجتمعات الخليجية، بالذات.
كنت ألاحظ، وأنا أشاهد تلك الأفلام، مبهوراً، على الرغم من تفاهة قصصها وإخراجها، أن صوت غناء مختلف مطربات الأفلام يتشابه كثيراً، وكنت أعتقد أن هذا النمط من الغناء هو جزء من فن الغناء الهندي، قبل ان اكتشف أن 99 % من أغاني تلك الأفلام كان يقف خلفها صوت نسائي، وتؤدي البطلة أو الممثلة الأغنية بطريقة الدوبلاج، وكانت أشهر هذه المطربات آشا بهوسلي، التي توفيت أخيراً عن 92 عاماً.
ولدت آشا في سبتمبر 1933 من عائلة مانغيشكار الموسيقية، وأختها هي اتا مانغيشكار، المغنية الهندية، وهي أسطورة أخرى. بدأت آشا الغناء في سن السادسة، وواصلت مسيرتها الفنية التي امتدت لأكثر من سبعة عقود، سجلت خلالها قرابة 12000 أغنية، فقد كان صوتها يصلح للأغاني الكلاسيكية، ولأغاني الكباريه والبوب، والأنماط المتأثرة بالموسيقى الغربية، كما سجلت أعمالًا لكبار الملحنين، وأحدهم كان دي بورمان، الذي تزوجته تالياً.
أحمد الصراف

