أنعم الله على المملكة بقيادة حكيمة وواعية، بثروات جعلتها في مقدمة دول العالم من حيث امتلاك أهم مصادر الطاقة، لتسير التنمية والأمن جنباً إلى جنب. واليوم تعيش المملكة أفضل أوقاتها، وأقواها على مرّ التاريخ من حيث القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والرخاء وجودة الحياة، وذلك بفضل السياسة التي اتبعتها المملكة في عهد خادم الحرمين الملك سلمان وولي عهده -حفظهما الله- الذي أطلق الرؤية 2030 التي غيرت ببرامجها ومستهدفاتها كل أوجه الحياة والأنشطة على كل المستويات.
هذه الأيام تدور حرب على حدودها، حرب بين أميركا وإسرائيل ضد إيران، التي ظلت ومنذ اليوم الأول للحرب ترسل الصواريخ والمسيرات لدول مجلس التعاون، ومع هذا اتخذت هذه الدول موقفاً يجب أن يدرس في كليات القيادة والأركان على مستوى العالم. فلم يحصل على مرّ التاريخ أن اتخذت دولة هذا الموقف الشجاع والمتزن مع دولة معتدية، حيث اكتفت دول مجلس التعاون بصد العدوان دون الدخول في الحرب. والسبب واضح وهو أن عجلة التنمية قد بدأت، ويجب أن تستمر، والمشاريع الكبيرة يجب أن تنجز، والحياة تسير بكل سلاسة على كل المستويات. دول كثيرة وعلى مرّ التاريخ دخلت حروباً طاحنة استمرت سنوات لأسباب مختلفة، فالحرب العالمية الأولى قامت بسبب اغتيال ولي عهد النمسا وزوجته في مدينة سراييفو على يد طالب صربي، وأميركا دخلت الحرب العالمية الثانية بسبب هجوم اليابان على قاعدة بيرل هاربر البحرية في هاواي، كما قامت حروب كثيرة بين الدول بسبب خلافات على الحدود أو المصالح، بل قام نزاع مسلح بين هندوراس والسلفادور في عام 1970 وأسفر عن آلاف القتلى من الطرفين بسبب مباراة في كرة القدم.
الحرب الحالية أوضحت أهمية المملكة وقيادتها، بالنسبة لدول مجلس التعاون وللعالم، حيث سخرت كل مطاراتها وموانئها لخدمة هذه الدول، وتخفيف آثار إغلاق مضيق هرمز، فقد أسهمت في تخفيف آثار الحرب على العالم باستخدام خط الأنابيب شرق غرب، واستخدام الاحتياطي الموجود لدى أرامكو في مناطق مختلفة من العالم، ومن أهم الدروس التي فرزتها الحرب ما يأتي:
أولاً: القيادة هي من يصنع الفرق على مستوى الدول والمؤسسات العامة والخاصة، أثبتت قيادات دول مجلس التعاون بعد نظرتها الاستراتيجية، وحرصها على التنمية، وعدم الانجرار وراء الاستفزازات والاعتداءات التي تتمنى كل أطراف الحرب أن نشارك فيها. كما بينت قدرة العناصر الوطنية في القوات المسلحة، وفي أرامكو، وفي الموانئ والمطارت، وكل مكان تعرض للعدوان على سرعة وجودة التعامل مع كل الحالات المطلوبة، التركيز على صنع القادة المتميزين بالتعليم والتدريب والتمكين هو ما يصنع الفرق في كل مرفق ونشاط.
ثانياً: القوة الذاتية، العسكرية والاقتصادية، والتي أساسها البحث والتطوير والتصنيع، والتعاون بين القطاعين العام والخاص والجامعات البحثية، هو السبيل لامتلاك القوة. وقد أشار إلى ذلك المهندس عبدالله بن عودة الغبين في مقال له تحت عنوان (الصناعات العسكرية في دول العالم، دروس وتجارب، واستشراف للمستقبل السعودي)، وقد أشرت لذلك في مقالي السابق في هذه الجريدة تحت عنوان: (دروس للمستقبل).. القوة الذاتية هي الضامن لامتلاك القوة، وهي أفضل وسيلة لمنع الحرب وردع المعتدي.
ثالثاً: النفط هو وقود العالم ولقيم الصناعة، وقد تضرر العالم من عدم تصدير المواد الأولية الضرورية للزراعة والصناعة، وليس نقص الوقود فقط، ومن يظن أن العالم سيستغني عنه فليلتفت حوله ليرى أن أغلب ما يستخدمه من أثاث وملبس وبناء هو من منتجات النفط، المملكة يجب أن تكون رائدة في صناعة النفط وأبحاث الطاقة.
رابعاً: وسائل النقل بمختلف أنواعها هي الشريان الذي يخدم الدولة، ويسهم في قوة اقتصادها، ويربطها بالدول المجاورة والدول المهمة لتبادل المصالح، وكلما تعددت الوسائل قلت المخاطر. أثبتت الحرب أنه لا غنى عن ربط الخليج العربي بالبحر الأحمر بأكثر من وسيلة لخدمة الاقتصاد، والتغلب على مخاطر الحرب وإفرازاتها، كما أوضحت الحرب أهمية التعاون والتكامل على جميع المستويات بين دول مجلس التعاون، ومع الدول المجاورة والصديقة الأخرى.
كل أزمة تمر على المنطقة تخرج منها المملكة أقوى مما كانت بفضل حنكة قادتها، وحسن النية، وتوفر إمكاناتها، وما استثمرته في تعليم أبنائها وبناتها، وبفضل الله ثم علاقاتها القوية مع الدول الفاعلة في العالم، وعلى الأخص مع الدولة الأقوى، الولايات المتحدة الأميركية.

