: آخر تحديث

رياح التغيير وجامعة الملك سعود

5
4
5

السعودية اليوم ليست السعودية البارحة، وعلى التعليم الجامعي أن يواكب هذه المتغيرات. لدى المملكة مشاريع ضخمة على ساحل البحر الأحمر، الطبيعي أن نرى كليات لعلوم البحار والسياحة والهندسة البيئية وإدارة الأعمال في هذه المناطق، وتمتلك في الشمال مناجم لمعادن متنوعة لها مستقبل واعد، ومن المأمول وجود كليات تختص بالتعدين والجيولوجيا وإدارة الأعمال، وللكليات الزراعية مكانها في منطقة القصيم وجازان وبيشة؛ لأنها محظوظة كونها مناطق إنتاج زراعي. وهكذا، مثلما تأسست جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، إلى جانب شركة «أرامكو»، في المنطقة الشرقية.

لقد فزع بعض الأكاديميين من أصحاب تخصصات العلوم الإنسانية حينما اتخذت جامعة الملك سعود قراراً بإلغاء بعض التخصصات الأدبية؛ كاللغة العربية والعلوم الاجتماعية واللغات والترجمة. مرد هذا الفزع أن جامعة الملك سعود أعرق جامعات المملكة، ولها تاريخ طويل في ضم كل التخصصات، بل بدأ تأسيسها بإنشاء كلية الآداب. هذا الفزع والاعتراض على منصة «إكس» جاء تبريره بأن هذه الدراسات ذات أهمية بالغة في نضج الهوية وتعزيز الثقافة الوطنية، وأسباب مشابهة. الإحساس بالصدمة يحجب بعض المنطق ويجعل الرؤية ضبابية.

لنحاول توضيح الأفق: إلغاء تدريس هذه التخصصات لا يعني التقليل من قيمتها وأهميتها، ولا ينفي الاحتياج لها، ولا يعني أن الجامعة تتطلع فقط للتخصصات التي لها حظوة في سوق العمل، لكن الجامعة ببساطة وضعت في موضع المسؤولية الوطنية، حينما اختِيرت لتخرج من جلباب وزارة التعليم إلى مظلة الهيئة الملكية للرياض، بوصفها جامعة يراد لها أن تقف على قدميها، والاكتفاء ذاتياً بمواردها المالية. وللتبسيط في الشرح، عندما اتخذت الجامعات الكبرى في المملكة قراراً بتأسيس كليات علوم الحاسب في ثمانينات القرن الماضي، لم يكن الهدف سوق العمل فقط؛ بل لأن الكمبيوتر أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، بل من ثقافتنا، دخل البيوت والمكاتب في الفترة نفسها، استخدمناه في التواصل مع العالم ودخول المنتديات الاجتماعية وإنشاء البريد الإلكتروني وكتابة المقالات والكتب والفروض، تماماً كما استُخدم في المكاتب وأماكن العمل. إذاً هو قرار مبنيٌّ على متغيرات.

جامعة الملك سعود قررت أن تحصر جهدها في التركيز على تخصصات إنسانية أخرى مثل القانون، والتخصصات الطبية كالتمريض، والعلمية كالهندسة والفيزياء والرياضيات، والعلوم الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي الذي سيحتل المكانة نفسها التي احتلها الكمبيوتر وسيكون جزءاً من يومياتنا. الجامعة اليوم متضخمة، يعرف ذلك كل من درس أو عمل بها. وفي هذه الحال، لن تستطيع أن تحجم إنفاقها، ولا أن تستقل بذاتها، والحقيقة أنها تتطلع لأن تبرز كنموذج عالمي من خلال التركيز على تخصصات معينة وتحقيق النجاح فيها.

المحتجون على القرار، وهم بالمناسبة لن ينصحوا أبناءهم بدراسة التخصصات الملغاة، ضربوا أمثلة على أعرق جامعات العالم مثل هارفارد وستانفورد وييل، والتي لا تزال تدرّس العلوم الإنسانية كلها، وأن نبوغها لم يمنعها من استمرار فتح أبواب هذه التخصصات. والحقيقة أن في السعودية، خاصة في الجامعات الكبيرة، توضع دائماً هذه الجامعات العريقة محل مقارنة لتستطيع أن تصل إلى ما وصلت الأخريات إليه. وهذا منهج صحيح؛ لأن التشبه بالأقوياء يجعلك تشبههم يوماً ما. أنا أوافق على أن نضع هارفارد معياراً للأساليب التدريسية والمناهج الصفية واللاصفية، وستانفورد معياراً للإرشاد الطلابي والخدمات، وييل لطرق البحث العلمي، ولكن للأسف لن أستطيع أن أتشبه بها فيما يخص الإنفاق؛ لأن هذه الجامعات خاصة وليست حكومية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تستقبل تبرعات من رجال الأعمال بملايين الدولارات منذ تأسيسها، مما جعلها تتملّك أصولاً وأوقافاً بمليارات الدولارات، تكفي لأن تكون ميزانية دولة، وتضعها داخل عملية استثمار وتنفق على الجامعة من جزء من العائدات.

وهنا للمقارنة، أعطي أمثلة على حجم الأوقاف في هذه الجامعات. هارفارد 56.9 مليار دولار، ييل 44.1 مليار دولار، ستانفورد 40.4 مليار دولار، برنستون 36 مليار دولار. بينما جامعة الملك سعود لم تتجاوز قيمة أصولها 2.5 مليار دولار. بإمكان الجامعة أن تقف مكانها تحاول أن تطل برأسها مع كبريات الجامعات، لكنها لن تستطيع أن تقف مع تلك الجامعات يوماً؛ لأنها وكما يقول المثل: «كعبها منخفض».

المخاوف الأخرى للمعترضين أن تحذو جامعات أخرى حذو جامعة الملك سعود وتلغي بعض تخصصاتها الإنسانية، والحقيقة أن هذا أمر وارد، خصوصاً أن وزارة التعليم المسؤولة عن هذه الجامعات لديها دراسات حول ترشيد أعداد الأقسام الأكاديمية التي ترفع نسبة إنفاق الجامعات ويرفع خريجوها كذلك نسبة البطالة.

لكن تبقى هذه المسألة خاصة بكل جامعة، والتي تتمتع بقدر من الحرية يمكّنها من تحديد مصير دراساتها، تماماً كما فعلت جامعة الإمام محمد بن سعود، وهي جامعة دينية، حينما افتتحت كلية للطب، لكنها جامعة كبيرة ولها تاريخ طويل ومن حقها التنويع في تخصصاتها. وهذا الأمر يفتح باباً للنقاش على قدر كبير من الأهمية، وهو: لماذا تتسابق الجامعات الناشئة خصوصاً في المحافظات الصغيرة والمناطق التي قد لا يصل عدد سكانها إلى 300 ألف، على افتتاح كليات للطب؟ كليات الطب لها متطلبات كثيرة وكبيرة؛ أهمها وجود مستشفى يصلح لأن يتدرب فيه طلاب الكلية، عدا عن توافر مختبرات متكاملة وأساتذة مرموقين، وهذه تكلفة كبيرة لجامعة مبتدئة كان الأولى بها التركيز على العلوم النظرية حتى تتمكن من نفقاتها مثل القانون وإدارة الأعمال.

الخطط الاستراتيجية للجامعات يجب أن تأخذ في الاعتبار المصلحة العامة، والنظر إلى المستقبل القريب والبعيد، ودراسة السوق والموارد، وخصائص كل منطقة، فهي أساس في صناعة هذا المستقبل؛ لأن إغلاق النافذة لن يوقف هبوب رياح التغيير.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد