: آخر تحديث

الذكاء الاصطناعي وثقافة المؤتمرات

5
5
4

منيرة أحمد الغامدي

في زمنٍ تتسارع فيه قدرات الذكاء الاصطناعي على تحليل البيانات، ومحاكاة الحوار وربط الأفكار عبر القارات في ثوانٍ، يبرز سؤال مشروع وهو: لماذا ما زالت المؤتمرات العلمية -العالمية منها والمحلية- تُبنى على تصورٍ يكاد يعود إلى ما قبل عقدين أو ثلاثة؟

هل يعقل أن تتطور أدواتنا التقنية بهذا الشكل، بينما تبقى آليات اللقاء العلمي والتشاور الفكري أسيرة نموذجٍ يعتمد على الحضور المكاني والزماني المكلف، وينتهي غالبًا بتوصيات قد ترى النور وقد لا تتجاوز حدود البيان الختامي؟

لم يعد التحدي الحقيقي في جمع الناس بقدر ما أصبح في جمع الأفكار بصورةٍ قابلة للمعالجة، فالذكاء الاصطناعي أتاح إمكانات غير مسبوقة لإعادة تعريف مفهوم التجمع نفسه اذ يمكن للنماذج التحليلية اليوم أن تجمع آلاف الآراء، وتُصنّفها، وتكشف نقاط الالتقاء والاختلاف، بل وتبني سيناريوهات متعددة لنتائج السياسات المقترحة، ومع ذلك ما زال كثير من المؤتمرات يعتمد على جلسات تقليدية وأوراق تُقرأ ونقاشات محدودة بزمن ضيق، ثم تُختتم بقائمة توصيات قد يصعب تتبع أثرها الفعلي.

القضية لا تتعلق بإلغاء اللقاء الحضوري، فالتفاعل الإنساني المباشر لا يزال يملك قيمة معرفية واجتماعية لا يمكن إنكارها.

لكن السؤال الأهم هو: لماذا لا يتحول المؤتمر من حدث إلى عملية مستمرة؟ لماذا لا تُصمم المؤتمرات كمنصات ديناميكية تبدأ قبل اللقاء الفعلي بمرحلة تشاركية رقمية تجمع الأسئلة والبيانات، وتستمر بعده بآليات متابعة تقيس ما تحقق فعلاً؟ في عالم تتوافر فيه أدوات القياس اللحظي وتحليل الشبكات المعرفية.

الأمر ذاته ينسحب على أسابيع وأيام التوظيف التي ما زالت تُنظَّم بالوتيرة نفسها تقريبًا منذ عقود، رغم أن منصات الذكاء الاصطناعي قادرة اليوم على تحليل المهارات، وبناء ملفات كفاءة ديناميكية، والتنبؤ بدرجة المواءمة بين المرشح والوظيفة بصورة أدق من القراءة التقليدية للسير الذاتية.

ليس السؤال هنا عن جدوى الفعاليات المهنية بحد ذاتها، بل عن مدى تحديث فلسفتها و هل هي مساحة عرضٍ شكلية أم منظومة قياس حقيقية تُعيد تعريف العلاقة بين المهارة والفرصة بشفافية وعدالة؟

تعدد المنصات الرقمية بدوره يطرح إشكالية أخرى، وهي هل الزيادة العددية تعني بالضرورة زيادة في الأثر؟ كثرة المنصات لا تعني تنوعًا حقيقيًا إذا كانت جميعها تعمل بالمنطق ذاته، أو تقدم القيمة نفسها بأسماء مختلفة.

المؤشر الأهم ليس عدد المنصات، بل قدرتها على إحداث فرق قابل للقياس في جودة المعرفة، وكفاءة التوظيف، وفاعلية القرار. وهنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي ليس كأداة تقنية فحسب، بل كوسيلة لإعادة تصميم تجربة التعلم والتواصل المهني بحيث تصبح أكثر تراكمية واستمرارية.

في تصوري ان ما نحتاجه اليوم ليس مؤتمرات أكثر، بل مؤتمرات أذكى، و ليست منصات أكثر بل منصات أعمق أثرًا. قد يكون السؤال الحقيقي هو هل نستخدم الذكاء الاصطناعي لتسريع ما نفعله أصلاً، أم لطرح سؤال مختلف حول ما ينبغي أن نفعله من الأساس؟ فالفارق بين التحول الحقيقي والتحديث الشكلي يكمن في الجرأة على مراجعة الفكرة لا الاكتفاء بتحسين الوسيلة.

ربما لم يعد التحدي في القدرة على الابتكار التقني، بل في القدرة على الابتكار المؤسسي، فالذكاء الاصطناعي قادر على اقتراح آلاف الحلول، لكن اختيار الحل الذي يستحق التطبيق يظل مسؤولية إنسانية تتطلب رؤية تتجاوز حدود الحدث المؤقت إلى بناء أثرٍ يمكن تتبعه وقياسه. عندها فقط يصبح المؤتمر بدايةً لمسار معرفي، لا محطة عابرة في رزنامة مزدحمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد