: آخر تحديث

خاتم تفصيل

4
4
4

سهوب بغدادي

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) (الإسراء: 23-24)

من عظم شأن الوالدين ورد ذكرهما في القرآن العديد من المرات، وأتى أمر برهما مقرونًا بطاعة الله الخالق، فنعيش هذه الحياة ونحن نبذل قصارى جهدنا لكي نحقق ذاك البر، والأمر ليس بالسهل أو الهين، فلا يكون البر في موضع واحد، قد يكون في خدمة الوالدين، أو الكلام الطيب، أو مراعاة مشاعرهما، أو إدخال السرور عليهما، أو البذل في سبيل راحتهما من وقت وجهد ومال، وهناك أمور خفية بألا يكون الأبناء سببًا في حرجهما أو تطاول الآخرين عليهما- والعياذ بالله- كمن يسب أم شخص بالتالي يقوم الآخر بسب أمه، والبر بحر كبير لا حد له وتوفيق من الله سبحانه.

في هذا الموضع، استذكر قصة أحد الأبناء البارين، لم يلفتني في القصة كل أفعال البر التي اعتدنا على سماعها، بل هناك تفاصيل متناهية الصغر تشكل فارقًا بين البر بحب والبر التقليدي الذي قد يعده البعض فرضًا عليهم، ذات يوم جلس الابن أبو مهرة مع والده يتبادلان أطراف الحديث، فجأة ودون سبب قال الأب «نفسي ألبس خاتم» فقام أبو مهرة بتصفح الإنترنت وبحث عن مجموعة من التصاميم المتنوعة للخواتم، وعرضها على والده ليختار منها ما يعجبه من لون وتصميم، ثـم ذهـب إلـى أحـد المحلات وفصل خاتمين متطابقين، ثم أهدى والده واحدًا ولبس هو الآخر، فرح الأب كثيرًا بالخاتم ولازمه فترة من الوقت.

في يوم ما، لاحظ الابن أن والده لم يعد يلبس الخاتم فسأله عن السبب، عندها بدت ملامح الأسى على وجه الأب، وأخبره أنه أضاعه، مؤكدًا أنه بحث عنه مرارًا دون جدوى، وفي ذات اللحظة قام الابن بنزع خاتمه المطابق من إصبعه وناوله والده، بالطبع حاول الوالد أن يرفض ولكن الابن أصر عليه، ومع مرور الوقت، لم يلبس الأب ذلك الخاتم بل ظل يحتفظ به داخل الدرج خوفًا عليه من الضياع، فبقي الخاتم هناك سنين حتى وافته المنية -رحمه الله- ثم قام الابن بأخذ الخاتم ولبسه ليتذكر والده ويدعو له بالرحمة كلما وقعت عينه عليه.

من هذه القصة، التي تحمل في تفاصيلها معاني البر المتواترة، من الزيارة وحسن الكلام والأنس وبذل الوقت والجهد والمال وصولًا إلى الدعاء بعد الممات، نلمس أن البر يتغير من مرحلة إلى أخرى في حياة الوالدين والأبناء، إذ تختلف تلك الاحتياجات ومواطن البر فيها بتبدل أحوالهم، فكلنا نسعى نحو الوصول إلى لقب الابن البار، ولكن هل نتمكن حقًا من تحقيق ذلك؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد