: آخر تحديث

نظام إيراني مُثقل بالأزمات الداخلية يصعّد من حافة الهاوية دوليًا

5
5
5

لم تعد تحركات النظام الإيراني العدوانية مقتصرة على الداخل، حيث يعاني الشعب الإيراني من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، بل تحولت إلى تهديد مباشر للتجارة الدولية وأمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي. فالنظام، الذي كان يُنظر إليه سابقًا كقمع داخلي، بات اليوم لاعبًا خطيرًا على الساحة الدولية، يفاقم التوترات بالرغم من ما يعانيه من خسائر جسيمة.

في 22 نيسان (أبريل) 2026، أفادت مصادر أمنية بحرية بريطانية وتقارير هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أن قوات إيرانية استهدفت ثلاث سفن حاويات على الأقل في مضيق هرمز. إحدى السفن، التي ترفع علم ليبيريا، تعرضت لأضرار جسيمة بعد اقتراب زورق تابع للحرس الثوري الإيراني دون إنذار وفتح النار عليها بالرشاشات والصواريخ. كما تم استهداف سفينة أخرى ترفع علم بنما، بينما أُجبرت ثالثة على التوقف.

في المقابل، تباهت وكالة "تسنيم" التابعة للحرس الثوري بهذه العمليات، ووصفتها بأنها "ضبط لسفن منحرفة تهدد الأمن البحري"، بالرغم من أن هذه الهجمات جاءت في خرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم في 8 نيسان (أبريل)، والذي نص صراحة على ضمان حرية الملاحة في المضيق.

تندرج هذه العمليات ضمن نمط متصاعد من التصعيد العسكري منذ إعلان الهدنة. رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف صرّح بأن طهران "أعدّت أوراقًا جديدة في ساحة المعركة"، في إشارة واضحة إلى نية التصعيد.

في المقابل، حاول الرئيس مسعود بزشكيان إظهار نبرة أكثر اعتدالًا، مؤكدًا أن "استمرار الصراع لا يخدم أحدًا"، إلا أن الإعلام الرسمي ركّز على ضرورة "تعويض أضرار الحرب"، ما يعكس تناقضًا واضحًا بين الخطاب السياسي والممارسة الميدانية.

بالرغم من هذا التصعيد، فإن النظام لا يتحرك من موقع قوة، بل من حالة ضعف متفاقم. فقد أدت الحرب الأخيرة إلى خسائر كبيرة في القيادات العسكرية العليا، ما أضعف بنية النظام بشكل ملحوظ.

وفي ظل عجزه عن معالجة الانهيار الاقتصادي والاحتقان الشعبي والصراعات الداخلية، يلجأ النظام إلى تصدير الأزمات للخارج، في محاولة للحفاظ على تماسكه الداخلي. بمعنى آخر، أصبح التصعيد الخارجي أداة لتعويض الهشاشة الداخلية.

تصاعدت حدة التهديدات لتشمل دول الخليج، حيث حذّر قائد في الحرس الثوري من أن أي استخدام لأراضي هذه الدول ضد إيران سيؤدي إلى "نهاية إنتاج النفط في الشرق الأوسط".

كما دعا رئيس تحرير صحيفة "كيهان" حسين شريعتمداري إلى مصادرة سفن أميركية في مضيق هرمز والاستيلاء على شحناتها، معتبرًا ذلك "حقًا قانونيًا" لتعويض الخسائر.

نظم النظام عروضًا عسكرية واسعة في طهران خلال 21 و22 نيسان (أبريل)، في محاولة لإظهار القوة وتعزيز الروح المعنوية، بالتزامن مع استمرار الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار.

في الوقت ذاته، شدد وزير الخارجية عباس عراقجي على أن أي حصار للموانئ الإيرانية يُعد "إعلان حرب"، بينما ربط المندوب الإيراني لدى الأمم المتحدة أي تقدم دبلوماسي برفع العقوبات فورًا.

لم يعد النظام الإيراني مجرد مشكلة داخلية، بل تحوّل إلى تهديد مباشر للاستقرار الدولي. فاستهداف السفن المدنية، والتلويح بإغلاق أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، والترويج لمفهوم "غنائم الحرب"، كلها تعكس نهجًا تصعيديًا خطيرًا. وقد أثبتت التجربة أن سياسات الاسترضاء لم تغيّر سلوكه، كما أن المواجهة العسكرية لم تُفضِ إلى نتائج مستدامة.

غير أن الواقع الأعمق يتمثل في أن النظام يضبط كل هذه المواقف المتشددة أو "المرنة" على مؤشر واحد فقط: نبض الشارع الإيراني. فهاجسه الحقيقي لا يكمن في الخارج بقدر ما يتمثل في الداخل، حيث يخشى انفجارًا اجتماعيًا واسعًا وانتفاضة شاملة قد تطيح بأسسه. يدرك النظام أن أي تراجع أو ضعف قد يسرّع هذا السيناريو، ولذلك يناور بين التصعيد والتهدئة وفق ما تمليه عليه معادلة البقاء.

كما يعي أن أي انتفاضة قادمة لن تكون كسابقاتها، بل انتفاضة أكثر تنظيمًا، تقودها ما يُعرف بـ"وحدات الانتفاضة" المرتبطة بتنظيم "مجاهدي خلق". ومن هذا المنظور، فإن اندلاع مثل هذه الحركة، إذا تحقق، لن ينتهي إلا بتغيير جذري في بنية النظام وإسقاطه، وهو ما يفسر حالة الاستنفار الدائم ومحاولات تصدير الأزمات إلى الخارج.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.