في السنوات الأخيرة تحظى مواضيع دراسة البيئة والمحافظة عليها في دول مجلس التعاون الخليجي بزخم كبير، خاصة في الجانب التطبيقي منها. لكن على الجانب الفكري والفلسفي للمواضيع هناك عدد قليل من الكتاب والمفكرين الخليجيين الذين تطرقوا للموضوع حتى الآن.
ورغم فداحة المشاكل البيئية التي يواجهها المجتمع الخليجي الحديث على هذا الصعيد نتيجة لتعامل الإنسان الخليجي مع بيئته الطبيعية منذ أن بدأت مظاهر الحياة العصرية تصل إلى دوله، خاصة الصناعات الحديثة وحركة الإنشاء والتعمير وحضارة الاسمنت العملاقة تدخل إلى دول المجلس بداية بخمسينيات القرن العشرين، إلا أن الوعي والإدراك الخاص بالمحافظة على البيئة وصل إلى الإنسان الخليجي متأخراً، ومنذ عقدين من الزمن تقريباً، عندما أخذت أفكار ودراسة المحافظة على البيئة تصل عن طريق أصحاب الفكر والمثقفين، الذين أدركوا فداحة المخاطر البيئية المحدقة التي أخذت تنال من البيئة الطبيعية للخليج العربي.
على مدى السنوات الأخيرة، بدأت في الظهور حركة رسمية وشعبية ملحوظة في دول المجلس الست كل واحدة منها على حدة، يسهم فيها أصحاب الفكر والثقافة ومؤسسات رسمية وشعبية تنادي بشكل مكثف بنشر وعي بيئي جديد بين السكان من مواطنين ومقيمين تحض على المحافظة على البيئة.
هذه الدعوة تتضمن إعادة تقييم جذرية لدور الإنسان وموقعه في العالم الطبيعي، بالإضافة إلى أهمية البيئة الطبيعية غير البشرية بحد ذاتها وتأثيرها علَى الحياة البشرية.
هي حركة جديدة ووليدة لكنها مهمة كبداية لمسار طويل يهدف إلى المحافظة على البيئة.
إن وجود الوعي والفهم الجيد في أوساط البشر من مواطنين وغيرهم لأهمية هذه الحركة الوليدة يمكن له أن يساهم في تشكل نظرة أوسع للخيارات البيئية والثقافية والسلوكية التي تواجهنا اليوم من تلك السائدة حتى الآن في أوساط العديد من قطاعات مجتمعاتنا، خاصة على الصعيد الأخلاقي.
بالتأكيد، أن الوعي البيئي الجديد في الأدبيات الثقافية والاجتماعية الخليجية، وفي أوساط المثقفين الخليجيين لا ينطلق من فراغ، لكن لا بد وأن تكون له جذوره ومصادره في الأدبيات العالمية التي ظهرت حول مواضيع البيئة والمحافظة عليها، وفي أوساط العديد من المثقفين والكتاب.
إن المواقف تجاه البيئة التي يتم تدمير أجزاء كبيرة منها، سواء بقصد أو بدون قصد، التي تؤطر لتوصيف فترة الاهتمام الجديدة هذه في دول المجلس يبدو بأن لها ثلاثة مصادر رئيسية.
المصدر الأول، هو أنه يتواجد في أوساط أصحاب الفكر في الأزمان السابقة ردة فعل ضد آثار التحول نحو الصناعة الحديثة واسعة النطاق حول العالم، واستدارة باتجاه ترتيبات طبيعية غير ملموسة كملجأ محتمل هرباً من آثار الامتعاض الآتي من التلوث الصناعي، الذي ظهر باكراً في الدول الصناعية الكبرى، كدول أوروبا والولايات المتحدة الأميركية واليابان، ثم بعد ذلك الصين ودول شرق وجنوب شرق آسيا، ولا زالت آثاره وتداعياته قائمة حتى اليوم.
أما المصدر الثاني، فهو أنه كان يوجد انجذاب نحو العودة إلى البدائية الطبيعية الخالية من التلوث كدواء شافي للعقلانية المفرطة المتعلقة بالانفتاح على العالم الخارجي، والعودة إلى الإنتاج الزراعي الطبيعي الخالي من المؤثرات الكيميائية غير الطبيعية كبديل لأنماط الحياة الجديدة المدنية - الصناعية.
والمصدر الثالث والأخير، هو المزيد من الأدبيات البيئية التي تعكس تطورات جرت في فترات ماضية لفلسفة طبيعية كانت قد بدأت في تحدي الأسس المتعارف عليها لمفاهيم قديمة الكثير منها لا يتناسب والعصر الحديث.
وعلى ضوء من الاكتشافات والتنظيرات السابقة الخاصة بعلوم الماضي، صار من الصعب على المفكرين التقليديين المحافظة على قناعات تتواجد في الموروثات الثقافية والاجتماعية التقليدية المتداولة والمفصح عن مكنوناتها، وصار لزاماً عليهم البحث عن مقولات وأطروحات ونظريات وفلسفات جديدة للمحافظة على البيئة تناسب العصر الذي يعيشون فيه.
*كاتب إماراتي
فلسفة المحافظة على البيئة
مواضيع ذات صلة

