كيف نفسّر ظهور حركة فكرية سياسيّة سياديّة محتدمة في فرنسا؟ كأنها وطنٌ يفرك عينيه ويتمطّى، بينما تيّار الحضارة الغربية ينضب ويتراجع. ذلك ليس بعسير على إدراكنا فموروثنا يصوّر لنا من يذهب إلى الحجّ والناس راجعون.
ليس حدثاً عابراً أن يسود الساحة الفكرية والإعلامية، خصوصاً في العامين الأخيرين، الفيلسوف ميشيل أونفري، وأن يغدو نجم السمعيّ والبصريّ ووسائط التواصل بامتياز. ليس مصادفة عارضة أن يُصدر مجلّة «الجبهة الشعبية» في إبريل/نيسان 2020، قبل ثلاث سنوات بالضبط، وأن يكون شعارها وهدفها «السيادة». السؤال الفوري: هل السيادة عملة نادرة أو حلقة مفقودة في فرنسا؟ لو كان تأسيس مجلة «الجبهة الشعبية» قد سبق الثورة الفرنسية أو كان وليد أتونها أو استمدّ شعلته من تحرير قلعة الباستيل، لكانت الدعابة سهلة الهضم، أن يقال إن ميشيل أونفري يقتفي آثار حمّه الهمّامي في تونس.
عودة الديجوليّة بقوةٍ عاملٌ كان أشبه بالمفاجأة، فحتى قبل سنتين أو ثلاث كانت الرياح تجري بما تشتهي سفن الإمبراطورية. حدث ما يشبه الهجمة المرتدّة. يجب العودة قليلاً إلى الوراء. عندما ارتحل الجنرال ديجول، أحسّ الفرنسيون بفقده، وحنّوا إلى عهده، ثم «سكن الليل، وفي ثوب السكون، تختبئ الأحلام». في عهود أغلبية الرؤساء الذين حكموا الإيليزيه بعد الجنرال، اختفى صوت الرجل الذي كان يعشق أن يختم كل خطاب بعبارة «تحيا فرنسا». في عهد جاك شيراك تنفّس الديجوليون الصعداء قليلاً وغنّوا لروح الجنرال: «رُدّتِ الروح على المضنى معكْ.. أسعد الأيام يومٌ أرجعكْ». كان عهده صاخباً عالمياً بغزو العراق واحتلاله، فانتعشت الديجولية في جانبها المناوئ لأمريكا وبريطانيا. مع تولّي ساركوزي الرئاسة صاح الديجوليون: «يقظة طاحت بأحلام الكرى»، فقد بدأت حقبة انجراف استلابيّ إلى الإمبراطورية وانقيادٍ لحلف الأطلسي، إلى اليوم.
ماذا وراء عودة الروح إلى الديجولية؟ الطريف أن أضعف طرف في التيار الحالي هو حفيد الجنرال.على غرار مسرحيّة «الطبيب رغم أنفه» لموليير، يُعدّ الحفيد بيير ديجول هو الزعيم رغم أنفه.ضربة حظ روسيا والديجوليين هي أن الجنرال كان يؤمن بأن روسيا ضرورة حيوية جيوسياسية وجيوستراتيجية للقارّة العجوز. نعمة من السماء للطرفين، فقد صار الديجوليون مع روسيا ولو بطريقة غير مباشرة وخجولة أحياناً، وصارت روسيا مع الديجوليين، مع عرفان بجميل «الصديق، وقت الضيق».
لزوم ما يلزم: النتيجة الصداعية: معاناة الفيلسوف أونفري هي أنه ضدّ بوتين لأنه يرفض الغزو، وضدّ ماكرون لأنه رمى فرنسا في حضن الإمبراطورية والناتو.

