: آخر تحديث

حول الفلسطينيّين في مهاجرهم البعيدة

10
10
11
مواضيع ذات صلة

في مطلع ثمانينات القرن الماضي، تم اختياري ضمن مجموعة صغيرة للالتحاق بدورة لإعداد القادة في موسكو، كنت في مطلع العشرينات، وكانت موسكو عاصمة الاتحاد السوفياتي، كانت هناك مجموعات من حركات التحرر، من بينها جنوب أفريقيا وتشيلي، مجموعة تشيلي تكونت من أربعة بينهم فتاة، اخترنا أسماء جديدة، لأسباب أمنية، تجولنا بأسمائنا الجديدة سنة في تلك البلاد الباردة، نودينا بها ونمنا وهي تغطينا وتشير إلينا، كان اسم الفتاة التشيلية فيكتوريا وكان هناك بابلو أيضاً الذي ربطتني به صداقة عميقة، تبددت بمجرد عودتنا الى بلادنا ومنافينا والى أسمائنا الحقيقية، كان الأمر يشبه عملية اختفاء مدبرة.

قالت لي فيكتوريا، الشابة الهاربة من بلادها والناجية من المذابح، إن الفلسطينيين في تشيلي يشكلون قوة حقيقية ومؤثرة في سياسات البلاد، وإن دور نخبتهم الاقتصادية كان حاسماً في وصول ديكتاتورية "بينوشيه" الى السلطة، وتهيئة ظروف الانقلاب العسكري الذي حكم تشيلي وقضى على واحدة من التجارب الديموقراطية القليلة في أميركا اللاتينية.

كانت تلك صدمة حقيقية لفتى مثلي يصعب أن يتصور وجود فلسطينيين يدعمون طغمة عسكرية فاشية، ويتسبّبون بتهجير عشرات آلاف المناضلين ودعاة الحرية، مثل فيكتوريا وبابلو.

بابلو لم يكن عاطفياً، وكانت لديه قدرة على تحليل دور الجالية الفلسطينية في تشيلي، هناك إحصائيات تشير الى أنها في حدود النصف مليون، والفصل بين دور النخبة الاقتصادية التي دعمت الانقلاب، والشرائح الأوسع من الجالية التي واجهت الفاشية وانخرطت في النضال ضدها، وأصابها ما أصاب بقية أبناء الشعب التشيلي. ولكن الفكرة العميقة والشعور بالذنب أمام دور مهاجرين فلسطينيين في دعم الفاشية العسكرية بقي عالقاً في مطرح في الوعي، وكان يتراكم عبر مصائر الناس وشبكة التفاصيل التي قدمتها بوفاء أعمال كبيرة لكتّاب مثل أنطونيو سكارميتا في روايته المدهشة "ساعي بريد نيرودا"، وفي أعمال إيزابيل أليندي المبكرة التي ترجمها أحد أعظم المترجمين العرب عن الإسبانية  الراحل صالح علماني.

لست بحاجة الى التنويه الى أن أحداً من مجموعتنا الصغيرة، قد حقق أحلام القادة الذين اختارونا لذلك المصير، لا أدري ما الذي حدث مع التشيليين ومجموعة جنوب أفريقيا جيمي وديكسي وجون، ولكنني أعرف أن أحداً من  مجموعتنا لم يصبح قائداً، وأنني تركت الحزب بعد أقل من سنة من عودتي الى بيروت واستردادي اسمي الحقيقي متأثراً بتلك الرحلة وعلى ضوئها، الآن أتذكر ذلك الفتى في تلك الرحلة كما أتذكر صديقاً مرتبكاً.

يكتنفني دائماً شعور "خيمينث" بطل رواية سكارميتا، ورغبته العارمة في صداقة نيرودا، ومعرفة رأيه في محاولاته الشعرية، "خيمينث" الفتى الذي بدّل مهنة الصيد بمهنة ساعي بريد يحمل بريد شخص واحد يعيش في ايسلا نيغرا تصادف أنه بابلو نيرودا.

في ما بعد سيشكل عثوري على شاعر تشيلي فلسطيني مثل أندراوس سابيلا ابن القدس، عبر ترجمات الشاعر الراحل أحمد يعقوب، نوعاً من التوازن في فهمي لتعقيدات هذا الحضور، سابيلا الذي قال عنه نيرودا: "بقي الشعر التشيلي واقفاً على قدم واحدة الى أن حضر سابيلا فوقف على قدمين".

ما استدعى هذه الذكريات هو انتخابات هندوراس من دول الكاريبي التي جرت أخيراً، وفوز اليسارية زيومارا كاسترو زعيمة حزب "ليبري" اليساري، وهي زوجة الرئيس السابق زيلايا الذي أطيح في ما يشبه انقلاباً مدبراً قبل 12 عاماً، وهزيمة رئيس بلدية العاصمة تيغو سيغالبا اليميني نصري عصفورة، ممثل الحزب اليميني الحاكم المتحدر من بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة.  

آخر قرارات رئيس هذه الدولة الفقيرة والمنهكة بالفوضى والفساد ونفوذ العصابات وعمليات القتل، خوان أورلاندو هيرنانديز الموجود في السلطة منذ 2010، كان نقل سفارتها في إسرائيل من تل أبيب الى القدس، على نفقة أميركا والحكومة الإسرائيلية، كما تشير بعض الأخبار، بسبب ضيق ذات اليد وعجز الموازنة.

في هندوراس جالية فلسطينية تصل إحصائياتها الى نحو 200 ألف، معظمهم من مناطق بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا، وهي جالية نشيطة اقتصادياً وثقافياً ومؤثرة في الحياة العامة، ولكن نخبتها الاقتصادية في معظم تمثيلاتها داعمة لليمين الذي أفسد الدولة وفاقم أزماتها، وأنهى سيطرته على الحكم بنقل سفارة بلاده الى القدس، فيما يشبه عربة متأخرة وصلت وحيدة من قطار إدارة ترامب وصفقة القرن، رغم عدم حاجتها لذلك.

ثمة نماذج كثيرة في أميركا اللاتينية للحضور الفلسطيني، نماذج متناقضة تماماً، ولكنها تسعى في تلك البلاد البعيدة بجهدها الخاص، وحمولات من الحنين بعيداً من المركز، لا يخلو الأمر من زيارة هنا أو هناك، ولكن الدبلوماسية الفلسطينية لا تملك خطة أو استراتيجية يمكن احتسابها أو الاتكاء عليها في بناء جسور حقيقية مع هذا الحضور واستثماره والتأثير فيه، رغم عزلتها المتفاقمة، في الداخل والخارج، وحاجتها الماسة الى ترميم الوجود الفلسطيني كإحدى وسائل مواجهة محاولات تصفية المسألة الفلسطينية. منطقة عمل حيوية أخرى مهجورة بسبب ضيق الأفق وسوء الإدارة، هكذا تراكم السلطة خساراتها/خساراتنا، وتسعى وراء عزلتها بثبات وثقة وبلاغة متعالية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد